الشَّعرُ يشبه النظام الرأسمالي!
عبد الرزاق دحنون:
(إني أفهم على الدوام من معنى الاشتراكية أنها إصلاحات اقتصادية معينة أرغب في أن تنفذ، وليست مبدأ من المبادئ)-
برنارد شو.
انتبه الكاتب المسرحي الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو لهذه المفارقة، فقد رُوي عنه جملة مشهورة رداً على تساؤل الناس: لماذا لحيته طويلة وشعر رأسه خفيف؟ قال: إن شعر رأسي يشبه النظام الرأسمالي، غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع!
التراجع في الخمسين
في سن الخمسين، يعاني نحو نصف عدد الرجال والنساء فقدان الشعر، الذي يتمثل نمطياً في تراجع شعر فروة الرأس، وفي حدود الصلع لدى الرجال، وخفة منتشرة في شعر النساء. وبالمقابل، يَقلق عدد لا يحصى من الجنسين لأن شعراً أكثر مما ينبغي ينبت حيث لا يرغبون. استنبط المجهريون وعلماء البيولوجية التطورية ومختصون آخرون مخططاً جيداً للخطوات المذهلة التي تؤدي إلى تشكل جٌرَيبات الشّعر- البٌصَيلات البالغة الصغر التي تٌنتج ساق الشعرة- في الجنين المتنامي. وكذلك وصفوا دورة إنتاج الشعر عند البشر بين تساقط ونمو جديد.
جُريب..وبُنية بصليّة
يتألف جريب الشعرة الناضج من بُنية بصلية تشبه وعاء الأزهار، تنتج ساق الشعرة. ويدور الجريب طوال الحياة بين طوري النمو وعدمه. تشير الدراسات الحديثة إلى أن البروتينات تؤدي دوراً رئيسياً في تحريض الخلايا الجلدية الجنينية على صنع جريبات شعرية، ثم تحث هذه الجزيئات، فيما بعد، الخلايا الجريبية لتنتج الشعر. تتكون جريبات الشعر أثناء الحمل استجابة لتخاطب متبادل بين الطبقة الخلوية الجنينية العلوية، والطبقة الخلوية الوسطى مشكّلة الحٌليمة الجلدية لجُريب الشعرة. وتتحول هذه البنية إلى ما يشبه القيادة المركزية، فهي تأمر الخلايا الشعرية أن تتكاثر أكثر فأكثر، وتتحول إلى جُريب شعري مكتمل. وفي نهاية الحمل، يأتي الوليد إلى العالم ومعه خمسة ملايين إلى ستة ملايين جٌريب شعري، تتوزع فوق الجسم بطراز محدّد وراثياً. ولن تتشكل جريبات جديدة بعد ذلك. وتكاد راحة اليد وأخمَص القدم تكونان المنطقتين الوحيدتين اللتين لا تحتويان حقاً على جريبات شعرية. أما المناطق الأخرى التي تبدو عارية من الشعر، فإنها في الواقع تنتج شعراً قصيراً دقيقاً.
بوصة كل شهرين!
تٌنتج جُريبات طور النمو بوصة من الشعر كل شهرين تقريباً، وتستمر عادة على هذه الوتيرة ما بين ست سنوات إلى ثماني. ويحدد طور البناء المدة التي تبقى فيها الشعرة الواحدة قادرة على النمو. ونمطياً نجد في اليوم الواحد من حياة إنسان في عامه العشرين أن قرابة 90 في المئة من جريبات الفروة تكون في مرحلة منتجة لشعر نامٍ، وأن نحو 10 في المئة تكون في مرحلة التوقف عن النشاط، إذ يتساقط منها يومياً ما بين 50 و100 شعرة. وتحدث خِفّة كثافة الشعر عموماً ليس لأن الجريبات تختفي، بل لأن نسبة الجريبات في طور النماء إلى تلك التي في طور اللانماء تتحول إلى صالح الأخيرة؛ وكذلك تنكمش كثرة من الجريبات في الإنسان المتجه إلى الصلع انكماشاً مطرداً، فتنتج في النهاية شعراً قصيراً عديم اللون.
كُن رابط الجأش!
قلّة من الناس تتقبل تساقط الشعر برباطة جأش، كيف إذاً يمكن للعلم أن يساعدهم؟ تتمثل الأخبار البيولوجية السارة في أن جُريبات الشعر لا تموت في معظم أنماط خِفّة الشعر. فمثلاً، تغدو الجريبات في الأنماط الكلاسيكية لفقدان الشعر في الذكور والإناث منمنمة، ويٌختصر طور نموها، فتنتج عندئذ شعراً بالغ القصر والنعومة. حتى الصلعان يملكون شعراً قليلاً في قمم رؤوسهم، وفي حالة أكثر ندرة، يُنهي طور نمو الجريب قبل أوانه بتأثير هجمة مناعية ذاتية، فيتساقط الشعر على شكل لُطخ، وفي الحالات الشديدة يشمل هذا التساقط الجسم بكامله، ومع هذا، فإن الجريبات تستمر حيّة.
الغزارة.. والعدالة!
إن الفهم العميق لبيولوجيا الشعر قد يتيح يوماً ما للباحثين والأطباء أن يبدلوا جينة معيبة في جريبات الشعر بواسطة المعالجة الجينية أو أن ينمو الشعر في أطباق لاستعمالها في الجراحة التطعيمية، لأن تعقد معضلة الصلع يماثل فهم كيفية تشكل أحد الأطراف في الجنين. إنه مطلب طموح؛ إننا نكتشف الكثير، ونكتشف هذا الكثير بسرعة كبيرة. إنه الزمن الأمثل لدراسة بيولوجيّة الشعر. لعل هذه الدراسات والأبحاث تسهم في القضاء على الصلع عند البشر، بحيث تصبح غزارة الإنتاج مترافقة مع عدالة في التوزيع.