فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار
د. أحمد ديركي:
ما يؤكد هذا الأمر قوله:
بروز ذلك التعبير – أي الصهيونية في المرحلة المنوه بها – تاريخ صياغة المفهوم – أتى متوافقاً مع ثلاثة أحداث كبرى: الحدث الأول تبلور ظهور الإمبريالية وتطلعها نحو إعادة تقسيم العالم وفق احتياجاتها الاستراتجية.. والحدث الثاني أفصح عن نفسه بخيبة أمل اليهود في حركة التنوير.. أما الحدث الثالث فقد تجسد بتحول الاتجاهات الخلاصية (الماشيحانية)… ص. 81.
أي وفقاً للتيزيني هناك ثلاثة عوامل تظافرت فكانت الصهيونية بنضوج ظروف تشكلاتها السياسية (في أواخر القرن التاسع عشر ومقتبل القرن العشرين) ص. 82.
أسقط تيزيني بمقاربته هذه، من خلال المنهج الذي اتبعه، أكذوبة أن الصهيونية مستمدة من اليهودية، وأصبح كلّ حديث عن أن هذه الصهيونية مستمدة من الدين اليهودي، وأن مبادئها السياسية والإيديولوجية متطابقة مع وقائع ومعطيات تاريخية محددة، يغدو أمراً غير ذي أهمية على صعيد الحقيقة التاريخية. ص. 82.
هنا تتضح أكثر وأكثر أكذوبة الفكر الصهيوني بأن الصهيونية مستمدة من الدين اليهودي.
المسألة الأخرى التي يتبناها تيزيني، وهي تأتي تأكيداً على أن (الصهيونية هي وليد سياسي حديث لا علاقة له.. بالدين اليهودي…)- ص. 82
المسألة الأخرى هي أن هذه الحركة، كما قاربها لينين ومن أتى من بعده وصولاً إلى الرفيق موريس نهرا، يؤكدون أن هذه الحركة العنصرية الاستيطانية هي وليد نمط الإنتاج الرأسمالي. فيقول تيزيني، استكمالاً لبحثه، إن الفكر الصهيوني
لم ينتشر في صفوف اليهود، وإنما ظهر في أوساط من منظري الاستعمار البريطاني والإمبريالية البريطانية خصوصاً مثل اللورد بالمرستون (1784 – 1865) وزير خارجية بريطانيا في حينه، وويليام هنكلر (1854 – 1931). وقد أتى ذلك متوافقاً مع اتساع المطامع الاستعمارية والإمبريالية البريطانية في المناطق التي لم تكن.. قد بلغت مستوى متقدماً في تطورها التاريخي، كالوطن العربي. ص. 82
هنا نتوقف قليلاً عند هذه الجملة، الفكرة، لما تحويه من تكثيف لأسئلة يجب العمل على الإجابة عليها وليس المرور عليها مرور الكرام. ومن هذه الأسئلة: هل الحركة الصهيونية، أي نشوؤها كفكرة مرتبطة بشكل أساسي بتطور نمط الإنتاج الرأسمالي، أي لم تكن في لحظات نشوئه، لذا ظهرت هذه (الفكرة) كاستجابة لتبلورات نمط الإنتاج الرأسمالي وتشكل الفكر البرجوازي، وتكون هذه الطبقة كطبقة مهيمنة على السلطة السياسية، لتكون هذه الفكرة أحد مشاريع نمط الإنتاج الرأسمالي بحالته التوسعية؟ أي عند نضوج كل هذه الظروف تبلورت فكرة الحركة الصهيونية لتكون التعبير الأولي، بمعنى الأساسي، لمفهوم الإمبريالية بمعناها التوسعي وحاجتها إلى (وكيل) عنها يكون منها، فالصهاينة الذين أتوا لاحتلال فلسطين أكثرهم أوربيو الأصل، وهم من تسلم مقاليد الحكم فيها، فكانت علاقتهم بالسلطة السياسية الاستعمارية في حينها، البريطانية أو الفرنسية، علاقة تكامل وتناغم استعماري؟
أي عندما بدأ نمط الإنتاج الرأسمالي بالتوسع خارج حدوده الجغرافية وجدت فكرة الحركة الصهيونية، كحركة استعمارية، من داخل هذا النمط لخدمة تطوره؟
من جهة أخرى هناك سؤال آخر: ما مدى انتشار الفكر البرجوازي في المجتمعات التي لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة تبلور الرأسمالية فيها؟ مع لحظ أن هذه المجتمعات وتحديداً العربية لم يتشكل فيها بعد هذا النمط من التفكير الملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي؟ وهنا تاتي الإشكالية التي طرحها الرفيق مهدي عامل حول نمط الإنتاج الكولونيالي. لكن للأسف ما زلنا لم نكمل طريق البحث التي فُتح لنا بابه.
أسئلة على أمل أن ياتي من يبدأ، كحد أدنى، البحث عن إجابة لها. لكن الأمل لن يأتي ما لم يكن هناك أحزاب شيوعية تحمل الفكر الماركسي – اللينيني مغروسة الجذور في الطبقة العاملة، ليتحول هذا الفكر من فكر إلى سلاح في أيدي الطبقة العاملة لتقاتل به من أجل إنشائها دكتاتورية البروليتارية كخطوة أولى تجاه تحقيق مشروعها الفكري.
يتبع، وإن عجزت عن القيام بهذا العمل المضني، فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.