ما الذي حدث في أوربا الشرقية بعد أن تخلّت عن الاشتراكية؟
يونس كامل صالح:
هذا السؤال ليس متأخراً، والإجابة سوف تختار مجالاً واحداً هو سوق العمل، ومعدلات البطالة.
شهد الغرب ظاهرة بطالة تصل حالياً بصورة عامة إلى ١١%، وشهدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التي تضم ٢٥ دولة) معدل بطالة يصل إلى حوالي ٨%… أما المعدل في شرق أوربا فهو يتراوح حاليا بين ١٠- ١٥ بالمئة من قوة العمل.
النسبة تتقارب لكن الفروق كبيرة..
الغرب بدأ من خيارات مستقرة: نظام اقتصادي حر.. اقتصاد السوق والعرض والطلب. تلك هي القوانين السائدة، أما شرق أوربا فقد انتقل من نظام موجه ومخطط مركزياً، إلى ذلك النموذج الغربي.. ولمرحلة الانتقال دائما طبيعتها الخاصة. فالبطالة في الغرب جزء من آليات النظام الحر.. ذلك أن العمل سلعة يقدمها من يستطيع ويشتريها من يريد.. والسعر-أي الأجر- تحدده قوة العرض والطلب. أما شرق أوربا فلقد بدأ من تراث عمره أكثر من ٧٠ عاماً.. قائم على التكافل الاجتماعي ونظرية التوظيف الكامل، فلم يكن مسموحاً وحتى الأمس غير البعيد كثيراً أن يكون هناك عاطل.. فالكل يعمل، حتى لو تحوّل إلى بطالة مقنّعة.
والغرب يبحث عن حلول للمشكلة ويعزوها للركود الذي ساد لسنوات طويلة، وفي الشرق ما زالوا يبحثون عن حلول.. لكن وبينما يأخذ البعد الاجتماعي أهمية متزايدة في الغرب.. فإن البعد الاقتصادي هو الأولى بالرعاية في دول شرق أوربا، وذلك بسبب مرحلة الانتقال التي لم تنجز تماما بعد.
دول شرق أوربا تشهد نسبة كبيرة في معدلات البطالة وهي عالية، لكن هناك تفاوت بين دولة وأخرى. وفي تفسير وجود هذه المعدلات المرتفعة تأتي أسباب عدة ليس على رأسها ما يشكو الغرب منه وهو الركود الاقتصادي أو قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل.
في الدول ذات الاقتصاد الموجه سابقاً، التي تقع جغرافياً في شرق أوربا، أتى التحول على رأس أسباب التعطل. فالقطاع العام أصبح طارداً، والقطاع الخاص لم يكن قادراً بعد على الاستيعاب. في البداية كانت سياسة القطاع العام: تخفيض العمالة عن طريق (ضبط النفس)، فلا تعيينات جديدة مقابل من يصلون إلى سن المعاش أو الذين يقدمون استقالاتهم.. ولكن، في مرحلة تالية، بدأ الهجوم مباشرة على قوة العمل، وبدأ الاستغناء المباشر عن العمال. وبالتالي انخفضت قوة العمل في هذا القطاع، وكذلك جرى الأمر مع القطاع الحكومي، وعندما بدأت سياسة الخصخصة اختلفت آليات سوق العمل.. فلا القطاع العام- قبل البيع- راغب في تعيين عمال جدد.. ولا القطاع الخاص راغب في زيادة فاتورة بند الأجور.. والنتيجة تزايد البطالة.
ولقد أضيف إلى ذلك ما أدخله القطاع الخاص المشتري للمشروعات من تكنولوجيا أكثر تقدماً وأكثر إيلاماً لسوق العمل.. فجهاز كمبيوتر واحد قادر على توفير مئات وربما آلاف العاملين.
يأتي في الأسباب أيضاً، عنصر التكافل، فكلما زادت الإعانات للبطالة، كان ذلك مشجعاً للمتعطلين. لذا فقد اقتصرت الإعانات التي تمنحها بعض تلك الدول على ستة أشهر، كما لجأت دول أخرى لتخفيض الإعانة قياساً لآخر أجر. هذه هي الخريطة التي توقعوا لها مزيداً من التفاقم بسبب المزيد من الخصخصة.. حتى باتت قضية البطالة كبركة آسنة يدخلها الكثيرون، ويخرج منها القليلون، وبما يجعل المتعطل سمة أخرى تختلف أيضاً عن الغرب، وهو التعطل (طويل الأجل).
تمثل الأرقام والظاهرة خطراً على المستقبل.. وتحملان العديد من النتائج. على الجانب الاجتماعي جرى تزايد في حجم الجريمة وعدد (المافيات) في ضوء تزايد نسب البطالة، وانخفاض مستوى المعيشة، وجمود الأجور مع ارتفاع الأسعار ونسب التضخم.
على الجانب السياسي، أصبح أصحاب مشروع الانتقال إلى القطاع الخاص والاقتصاد الحر يخشون من انعكاس مشكلة البطالة على موقف الرأي العام من التحول. فكلما زادت البطالة زادت المعاناة، حتى أصبح الكثيرون يقولون: ألم يكن من الأفضل أن تظل الاشتراكية؟ وتبقى النتائج الاقتصادية، وهي ذات وجوه عدة، أولها: الانكماش الاقتصادي الذي خلق فرص عمل أقل.. وبما يوفر قوة شرائية أدنى، تدفع بدورها للمزيد من الانكماش.
وثاني الوجوه: استفادة القطاع الخاص من الظاهرة، فبطالة أكثر تعني وفرة في الأيدي العاملة، ووفرة الأيدي العاملة تعني أجوراً وتكلفة أقل للسلطة أو للخدمة.
أما الوجه الثالث: فيتعلق بالخروج من الدوامة، فلا مجال لعمالة أكثر دون استثمارات أكثر.
إنها التنمية، فخلق فرص العمل ليس مجرد قرار سياسي أو انحياز اجتماعي.. لكنه بالدرجة الأولى نتاج آليات اقتصادية تخلق المشروعات والتوسع الاقتصادي. وهنا تبدأ معضلة الشرق الأوربي.. لقد أصبح لزاماً عليه الدخول في الحرب الصعبة.. حرب المنافسة مع الغرب، وتقديم سلعة أفضل وأرخص. الآن لا مفر من الحرب.. وعندما تصبح نسبة التعطل إلى شخصين بين كل ستة أشخاص فهي كارثة، لكن ذلك قد حصل.