الحضارة الحديثة والواقع السوري والإدمان على المخدرات
يونس كامل صالح:
إذا كانت الحضارة الحديثة قد أشاعت مزيداً من القوى والامكانيات، فإنها لم تعفنا من ضجيجها ومنغصاتها، وأبرز هذه المنغصات هو الإدمان على المخدرات بأنواعه المتعددة، ولقد كان تأثير هذه المنغصات بالغاً على مجتمعنا الصغير الذي يعاني الكثير من المشكلات العالقة التي لم تجد لها حلا بعد، وأبرزها مشكلة تعاطي المخدرات. لقد انتشر استعمال المواد الإدمانية في العقدين الأخيرين بين سائر فئات مجتمعنا وخاصة بين الشباب، وظهرت الآثار السلبية لذلك. وبعد أن كانت المواد الإدمانية لا تتعدى الحشيش، اشتملت الآن على الأفيون ومشتقاته والمهدئات النفسية والمنومات والمنشطات والمواد المهلوسة وغيرها.
وبعد أن كانت أغلب أعمار المدمنين حول مرحلة منتصف العمر تدنت مؤخراً لتصل إلى سن الشباب أي حول سن العشرين، وفي بعض الأحيان حول سن العاشرة. وبعد أن كان الادمان ينتشر بين الذكور بدأت تظهر حالات بين الإناث. إن ذلك كله بلا شك عبارة عن مؤثرات واضحة تدق ناقوس الخطر عالياً، ويجب أخذ هذا الأمر بالجد الذي يستوجبه ويحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء. فهناك من يقول إن شبابنا يواجهون الضغوط والحرمان، ولا يستطيع قسم منهم مواجهة حياته الصعبة، فيهرب إلى استعمال المواد الإدمانية التي تبعده في الخيال عن واقعه مؤقتاً. وهناك من يقول إن كثيرين يدمنون بالرغم من أن حياتهم ميسورة وظروفهم سهلة لا تسبب ضغطاً ولا حرماناً.
إن هذا القول صحيح، ولكن بالرغم من هذه الظواهر المتناقضة، فإن هناك ثوابت يمكن الاعتماد عليها، وبشكل عام يواجه الشباب عندنا مستقبلاً غامضاً، لا يوفر له حياة مستقرة ، فالبطالة وصلت إلى نسبة عالية بلغت حسب توقعات بعض المختصين أكثر من ٣٥% من قوة العمل، فضلاً عن البطالة المقنعة التي تسبب الملل والحرمان من تأكيد الذات وتحقيقها، كذلك يدفع الشباب أحياناً للقيام بمهام وتحمل أعباء ليست لديهم القناعة الكافية بضرورتها، وكذلك سرعة إيقاع الحياة الحديثة، وكثرة المتطلبات الحياتية مع محدودية الإمكانيات لتلبيتها، والشعور بالفجوة بين الأجيال ومفاهيمها المتناقضة، والمعيشة في بيئة قلقة كأنها بوتقة من الأحداث التي لا تهدأ ولا تسمح لأحد باستقرار أو هدوء. كل هذه العوامل تشكل فيما بينها محصلة من الضغوط تعمل عملها في شبابنا بصورة خاصة مما يثير لديهم الإحساس بالاغتراب، ويدفعهم للهجرة الذاتية داخل النفس، أو يثقل عليهم الشعور بواقعهم فيحاولون التخفيف من وطأته باستعمال المهدئات أو المنشطات أو المنومات أو المخدرات التي سرعان ما يقعون فريسة الإدمان بها. كما يجب أن نعترف أن الشباب عندنا لا يجدون أمامهم المساحة الكافية في وسائل الإعلام الحديثة للتعبير المأمون عما يجيش في صدورهم، وهذا من العوامل التي تدفع البعض منهم إلى التنفيس في عالم الخيال الذي تعوضه لهم المواد الإدمانية عما يعجز عنه في عالم الواقع. كما يلاحظ أيضاً أن الإدمان قد انتشر بين الشباب الذين نشؤوا في أسر مفككة يسودها الفوضى والاضطراب، وقد كثرت هذه الأسر، نتيجة الظروف القاسية التي عانتها ولا تزال تعاني منها البلاد، والازمة العاتية التي اجتاحتها.
أخيراً، فلقد ازداد انتاج المواد المخدرة في عدد من البلدان كوسيلة للتغلب على أزماتها الاقتصادية، فتضاعف التصدير إلى الأسواق العالمية، ومنها إلى سوقنا، مما نتج عنه انخفاض سعرها وتوافرها بين أوساط الطلبة والعمال، فضلاً عن تقدم تكنولوجيا التهريب والترويج وسطوة رجال العصابات وفعاليتهم في توريد المخدرات ونشرها بين السكان.
إن الشباب هم مستقبل أي شعب، وهم صانعوه، ولذلك يجب التعامل مع هذه الشريحة بمنتهى المسؤولية، لأن انهيارها، سيجعل مستقبلنا مندثراً، وقد حصل ذلك مع الكثير من الشعوب الأخرى.