لن ينهض من تلقاء نفسه! عوامل إنهاض الاقتصاد السوري

(النور):

في جميع التجارب التي خاضتها الدول النامية لإنهاض اقتصاداتها، لم تكتفِ بالإعلان عن تبنّيها لنمط أو نهج اقتصادي محدّد، بل عمدت إلى تبنّي خطة حكومية شاملة توازي وتوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي، بالاستناد إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة، واستغلال عوائد الثروات الوطنية وتوظيفها لتحقيق التنمية في المجتمعات الأقل نمواً، وتوزيع عوائد النمو بين فئات الشعب وفق مبدأ العدالة الاجتماعية، وزيادة حصة المواطن من الناتج المحلي الإجمالي.

تبنّي اقتصاد السوق.. أو الاقتصاد الموجّه، لا يكفي لإنهاض أيّ اقتصاد لدولة نامية، دون وجود خطّة مركزية واضحة، مُجَدْوَلة زمنياً، يساهم في وضعها، إضافة إلى الجهات الحكومية، ممثلو القطاع الخاص المنتج، وخبراء الاقتصاد.

(لي كوان) راعي النهضة في سنغافورة، لم يسرّح المعلّمين والعمال، بل خصّص للمعلم أعلى راتب في الدولة.. ولم يحارب الأقليات الهندية والعربية، واستفاد من التنوع الإثني للارتقاء بالهوية الوطنية، ولم يترك الاقتصاد في بلاده لقوانين السوق فقط، بل دعا الخبرات الوطنية والأجنبية لمساعدة سنغافورة في اختيار وسائل إنهاض اقتصادها، وحرص على توفير السلم الأهلي بين مختلف الإثنيات، عبر الحوار المستمر، لتأمين العامل الأبرز في إنهاض الاقتصاد، وهو الاستقرار والأمن والسلم.

الرأسمال الوطني، والقطاع الخاص، ليس مسؤولاً عن إعادة الإعمار، إنها مسؤولية الحكومة، بل يساهم في هذه العملية وفق عوامل جذبه، والمحفزات التي تمنحها الحكومة حسب خطتها المركزية.

ما الذي حدث في سورية بعد انهيار النظام السابق، وبعد تبني الحكومة الانتقالية لاقتصاد السوق؟!

١- أحيلت هيئة تخطيط الدولة، وهي الجهة المسؤولة عن وضع الخطط الحكومية إلى التقاعد!

٢- غياب الحكومة ووزارة الاقتصاد عن تحديد متطلبات إنهاض الاقتصاد السوري.

٣- تخبط في تحديد دور الاستثمارات المحلية والأجنبية، وغياب استراتيجية واضحة في توجيه هذه الاستثمارات.

٤- تسريح العمال في قطاع الدولة الصناعي، في مرحلة تعاني فيها البلاد من غياب الأيدي العاملة الفتية.

٥- التفرد بالقرار السياسي والاقتصادي وفق مبدأ (من يحرّر يقرّر)، وعدم مشاركة القوى السياسية والاجتماعية الأخرى والحوار معها، بل تساهلت الحكومة المؤقتة وشاركت أحياناً في تخوين وتكفير الآخر، مما أدى إلى ارتكاب مجازر الساحل و(غزو) جبل العرب، وتهديد أطياف أخرى في المجتمع السوري، مما جعل السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي الذي يُعدّ العامل الرئيسي للنهوض الاقتصادي في مهبّ الريح!

إنهاض الاقتصاد السوري يحتاج إلى:

١- توفر الاستقرار والأمان، أيْ عودة السلم الأهلي، فدون الاستقرار لا يمكن تنفيذ الخطط الموضوعة.

٢- مؤتمر اقتصادي وطني بمشاركة خبراء الاقتصاد السوري، لتحديد مسارات الإنهاض وإعادة الإعمار.

٣- استراتيجية وطنية مركزية تحدد أولويات النهوض وتستند إلى إطلاق القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة باعتبارهما قاطرة القطاعات الأخرى.

٤- تحفيز الاستثمارات المحلية والخارجية، لا عن طريق الحسم الضريبي فقط، بل بتأمين عوامل الأمان لهذه الاستثمارات كالقوانين الشفافة والقضاء النزيه والأمان.

٥- الموازنة بين تشجيع القطاعات المنتجة، ومنحها التسهيلات الضرورية، وتلبية مطالب المواطنين المعيشية، وتخفيف الأعباء عن كاهل الفئات الفقيرة.

٦- الاستفادة من قطاع الدولة الاقتصادي، والمرافق الأساسية، في عملية الإنهاض، بدلاً من التصفية والخصخصة!

٧- التركيز في استراتيجية إعادة الإنهاض على تنمية المناطق الأقل نمواً لا اقتصادياً فحسب، بل اجتماعياً وثقافياً!

إنهاض الاقتصاد السوري لا يتحقق بالتصريحات، ولا بتوقيع بروتوكول هنا.. وعقد هناك.

العدد 1216 - 23/09/2026