فهم طبيعة الصراع هو نقطة البداية
أنس جودة:
كان الصراع مع النظام السابق على الشرعية السياسية داخل فكرة الدولة نفسها. نظام يحتكر الدولة، ومواجهة تسعى لكسر هذا الاحتكار وإعادة تعريف من يحكم وكيف يحكم. الخلاف كان حول الدولة، ولهذا كان يجب أن يجري ضمنها.
اليوم تغيّر المستوى كله. الصراع مع السلطة الحالية لم يعد فقط على من يحكم، بل على طبيعة الكيان الذي يُحكم: حين تُعاد صياغة المناهج وفق رؤية فصيل واحد، وتُفرض رموز بعينها على فضاء عام يُفترض أنه لجميع السوريين، وتُقدَّم هوية جزئية بوصفها هوية الدولة، وتتم استباحة مجتمعات بعينها لأنها خارج هذه الهوية — فالسؤال لم يعد فقط من يحكم، بل: هل هناك دولة تُبنى لكل السوريين، أم حالة سلطة تُدير البلد وفق صورتها عن نفسها؟
وحين يصل الخلاف إلى هذا المستوى، ينتقل من مواجهة مع السلطة إلى صراع داخل المجتمع نفسه، ويأخذ طابعاً هوياتياً وثقافياً أخطر بكثير من أي خلاف سياسي.
أما المطالب المعيشية — وهي حقيقية وملحّة — فلا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق. هي تعبير عن ضغط فعلي، لكنها تتحول إلى سقف يُختزل فيه الفعل العام حين تُفصل عن السؤال السياسي الأعمق. المطالبة بالخبز مشروعة في كل مكان، لكن حين تغيب عنها رؤية سياسية تصبح أداة احتواء لا أداة تغيير.
فهم طبيعة الصراع هو نقطة البداية. بدون ذلك سنستمر في قراءة ما يحدث بشكل مقلوب — نرى الإدارة إنجازاً والاحتواء نجاحاً، بينما الصراع الحقيقي يجري في مستوى أعمق بكثير.
سوريا_لك_السلام