نتنياهو ومتلازمة إيران.. لا حلول سوى المواجهة العسكرية

د. نهلة الخطيب:

أمريكا الآن في حالة قلق وجودي، خسرت سمعتها وقيادتها للعالم ونقطة التحول الكبير قادمة لا محالة، استفاقت أمريكا في وضع اقتصادي مُزرٍ وتضخم كبير وانقسام داخلي حاد وإغلاق حكومي جديد يعكس التوتر بين الحزبين الحاكمين، ومحاولات لفرض معطيات كالبحث عن صفقات واستثمارات، فبدأت تترنح في صراع بقاء أمام التنين الصيني، أعادت توزيع قواتها في العالم وسيطرت على الممرات والملاحة الدولية بهدف رسم العالم من جديد وبأي ثمن (أمريكا تفعل ما تشاء أينما تشاء)، أمريكا تترنح على وقع فضائح إبستين التي كشفت قباحة الحضارة الغربية وأخلاقها، ملفات إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية بل عملية استخباراتية كاملة هدفها الابتزاز والسيطرة على مسؤولين ومشاهير وإعلاميين وصناع قرار عبر توريطهم بممارسات غير أخلاقية وتحويلهم إلى أصول تخدم إسرائيل، ملفات إبستين لم يذكر فيها العائلات الحاكمة مثل روتشلد وروكفلر ومورغان، لكنها وصلت للطبقة الحاكمة الأمريكية فأودت بشعبية ترامب في الداخل الأمريكي ووصلت لتمس هيبة التاج البريطاني، انكشاف الماسونية العالمية واليهود من خلفها سوف يجعل الجيل الجديد في العالم أداة هدم للنظام الرسمي الأمريكي ومن بعده اليهودية العالمية فهل بدأ صراع المحافل الماسونية؟؟

حين يقف وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو في مؤتمر ميونخ ليقول إن (العالم على حافة كارثة عالمية غير مسبوقة أخطر من الصواريخ الكوبية) يقصد به تهيئة العالم الغربي لمرحلة صدام كبرى قادمة، وأن (النظام العالمي الذي بني بعد الحرب الباردة يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن قواعد اللعب القديمة لم تعد صالحة لإدارة صراع القوى الكبرى)، هذه ليست أزمة عابرة فالعالم في مرحلة تشكيل عنيفة للنظام الدولي عنوانها سباق تسلح، تفكيك العولمة، صدام سلاسل الإمدادات، والتكنولوجيا والفضاء، يؤكده التحضير الأمريكي للقبة الذهبية، جيش ترامب الفضائي، خرائط العالم تتغير بتغير أقطابه وبانتقال مصادر القوة من الغرب إلى الشرق عبر الصين، يعني أننا نقترب من ظهور أقطاب جديدة وإعادة تشكل الخرائط، اختلال موازين القوة يؤدي إلى صراع أضخم من الصراع الذي نعيشه حالياً، صراع دولي مباشر بين الصين وأمريكا وحلفائهم، في هذا السياق وضع روبيو أوربا أمام خيارين: إما الاصطفاف الكامل بجانب أمريكا في مواجهة الصين، أو تركها وحدها بهذه المواجهة!! حالة من الانكفاء الأوربي عن أمريكا تجاه الصين والهند، وردع نووي أوربي، توجه يأتي امتداداً لمسار بدأ منذ تخلي ترامب عن الأوربيين وتركهم وحدهم بمواجهة العدو الروسي. أوربا لم تقرر مواجهة أمريكا مباشرة، مازال لديها أمل أن تتراجع أمريكا عن قراراتها، فهذا المولود من ذاك الرحم.

التسارع الأمريكي الإسرائيلي لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد وجه من أوجه الصراع، فحرب غزة غيّرت وجه المنطقة وحملت تغييراً حقيقياً في موازين القوى، فلا دور إلا الدور الأمريكي ولا قوة لأي دولة في المنطقة إلا لإسرائيل، بتلك الإيديولوجيا الدموية حقق نتنياهو هدفه فمنطقة الشرق الأوسط تغيرت بشكل كبير وكل أعداء إسرائيل قضوا تحت الأنقاض في غزة ولبنان وسورية، وتفكيك محور المقاومة مما جعل رأسه إيران في انحسار وتقهقر بعد فشل استراتيجيتها في سورية والمنطقة ككل، الحرب في غزة ما زالت مستمرة رغم اتفاق السلام الترامبي، مجاعة وقتل وحصار وتطهير عرقي، الاتفاق عادة هو تفاوض بين طرفي النزاع ولكن بخطة ترامب جرى استثناء صاحب القضية من التفاوض ومن مجلس السلام! خطة جهزت في إسرائيل لإنهاء الحرب خدمة لترامب ليصبح رجل السلام بالمنطقة، ولإسرائيل تحقيق أهداف حرب نتنياهو الذي فشل بتحقيقها!، فلا دولة فلسطينية في فلسطين ومصير سكان غزة والضفة بيد إسرائيل الماضية في إفراغ الأرض من سكانها، فهذه هي الخطة التوراتية التي ينفذها نتنياهو!

نتنياهو صاحب الحلم الكبير الذي تحمّله منذ الصغر (دولة إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر) والآن وصل إلى هدف ضرب إيران واسقاط نظامها في أعلى مستوى من هرم أولوياته، نتنياهو الذي يعاني من متلازمة إيران يحاول إفساد أي تقارب أمريكي إيراني وتعطيل المفاوضات وفرض الرؤية الإسرائيلية لمستقبل المنطقة، نتنياهو لن يتوقف عن لعبته وجر أمريكا إلى مواجهات أوسع ونحن في مرحلة أخطر ما تكون (مقبلون على كارثة فيما يتعلق برغبات إسرائيل)، والخطورة في ارتدادات هذا التصعيد على المنطقة والتي ستأتي تباعاً وتشمل خارطة الصراع في فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن، الآن إسرائيل ماضية في تحقيق أهدافها في المنطقة، لكن إيران ضمن أولويات حرب الوجود تدمير البرنامج النووي الإيراني (كشفت أكاذيب ترامب في حرب الـ12 يوماً عندما ادعى تدمير البرنامج وإعادته 20 سنة للوراء والآن يطالب بوقفه وتدميره)، لا الصواريخ النووية الروسية والصينية العابرة للقارات ولا الصواريخ النووية الكورية الشمالية ولا الصواريخ النووية الإسرائيلية تمثل تهديداً وجودياً لأمريكا والخليج والعالم، بل الصواريخ الإيرانية! الهدف ليس تفكيك البرنامج النووي فقط إنما تفكيك الايديولوجية الإيرانية وإسقاط نظامها واستهداف علمائها كونهم أكثر خطورة على إسرائيل من اليورانيوم.

الحشود الأمريكية وأكبر حاملة طائرات (جيرالد فورد) تتحرك إلى الشرق الأوسط وتتحرك معها كل الاحتمالات، هناك شروط أمريكية وشروط إسرائيلية وهناك عوامل مشتركة بينهما، فورد وأخواتها ليست ذاهبة في نزهة بل ذاهبون إلى واحد من احتمالين: اتفاق، أو حرب، هذه استراتيجية ترامب بحرب خاطفة دون حرب طويلة (وتغيير النظام أفضل شيء ممكن أن يحدث)، رغبة أمريكية في عدم الظهور كشريك في أي تصعيد لاحق، فهل هذا ضوء لبدء عملية عسكرية؟؟ ربما تكون خديعة عدم توافق وعدم خلاف كلي، أساس هذا التباين بين ترامب ونتنياهو هو العلاقة بين واشنطن وطهران، ولكن ترامب لن يتمرد على إسرائيل عبر الابتزاز الأسود.

تبدد طموح نتنياهو بتحقيق النصر المطلق رغم هول الجرائم والابادة والحصار وفشل في تنفيذ التطهير العرقي بغزة الفردوس الأمريكي، وحربه في غزة فاشلة من دون ظهور مؤشرات على نهايتها، غزة صنعت من إسرائيل وجهاً قبيحاً في المجتمع الغربي الأمريكي والعالم بعد أن كانت مساندة لها، ولم تعد إسرائيل هي القوة المنفردة في الشرق الأوسط، الآن نشهد تفوق وصعود دول اقليمية مثل مصر والسعودية والجزائر وباكستان وتركيا وإيران، تفوق عسكري وتطور في مجالات الصناعات الدفاعية إضافة إلى التحالفات الاستراتيجية التي تتطور بينهم خاصة ما فرضته تداعيات حرب غزة من تغيرات استدعت الصحوة وإنشاء تكتلات لمواجهة الخطر الصهيوني، حالياً إيران في عين العاصفة والعالم الغربي وأمريكا عاجزين اتخاذ قرار بشأن التعامل معها خشية العواقب، إغلاق مضيق هرمز وما يمثله من تهديد لأمن الطاقة العالمي وتفجير المنطقة وما يترتب عنه من تداعيات كارثية على الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، ولكن لا حلول سوى المواجهة العسكرية وفقاً للمعطيات ومنطقتنا ستكون وقوداً لما ذكرنا!!

العدد 1191 - 18/03/2026