بنافذة زمنية محدودة الحق الديني يتحول إلى مشروع سياسي

د. نهلة الخطيب:

العالم بمشهدية جديدة بمنطق أشبه بشريعة الغاب والبقاء للأقوى (افعلوا كلّ شيء لتبقى أمريكا هي الأعظم، وأي دولة بالعالم لم ولن تكون إلا بحماية الأساطيل الأمريكية)، والنظام الدولي برأسين الأمم المتحدة التي لا يعترف بها ترامب، ومجلس السلام لإدارة غزة الذي يترأسه ترامب مدى الحياة، وما يثير الدهشة رغبة رئيس أكبر دولة بالعالم بترأس مجلساً لقطاع صغير متل غزة! ولكن طموحات ترامب أكبر من غزة بكثير، مجلس هو بوابة لمجلس أمن عالمي جديد يحكم العالم عبر الحدود الخضراء في غزة، المحمية بقوات دولية تحت العلم الأمريكي قوة احتلال بديلة تسيطر على الطرق البحرية والمعابر وتتحكم بالدخول والخروج، فضلاً عن أنه لتحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل ثم تكريس السلام في الشرق الأوسط بل في العالم كله، وهنا يخلده التاريخ كرئيس أمريكي عقد سلاماً بالشرق الأوسط أكبر من كامب ديفيد وأكبر من أوسلو، ولكن هيهات، الأيام حبلى بالمفاجآت، عنجهية ترامب فكّكت الداخل الأمريكي قبل الهيمنة على الخارج. ربما يخلده التاريخ كرئيس شهد انهيار الإمبراطورية الأمريكية.

مجلس سلام لم يكن القرار المثالي، فعليه الكثير من التحفظات ولكن لا خيارات بديلة! ما هو مقدم هو الحد الأدنى لوقف الحرب وارساء السلام هنا تبدو الأمور مطمئنة، لكن رسمياً لم يعلن شيء حتى بعد انعقاد أول جلساته، فهناك ضبابية وغموض ولكن الوضع لا يحتمل إفشال القرار وراءه تهديد أمريكي والعواقب ستكون وخيمة: عودة غزة إلى الحرب والتدمير مجدداً، ترامب هو صاحب الحسم في جميع قرارات المجلس وصاحب القرار بالنسبة للتطورات بكل ما يخص غزة، ترامب يسعى (لإنهاء المهمة والقضاء على من تبقى في غزة، فلا يستحقون سوى الموت). انضم للمجلس زعماء من أوربا والعالم العربي والاسلامي ولم يتوقف الأمر هنا بل أصبح الكرسي بمليار دولار لمن يوافق على الانضمام لنادي السلام، الصين وروسيا ودول غربية كبرى بريطانيا وألمانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وكندا بمواجهة ترامب ومجلسه (خشية تعارض صلاحياته مع القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة التي منحته الشرعية) مما يشكل ضغطاً على أمريكا وإسرائيل معاً، قبول عضوية إسرائيل ورفض عضوية دولة فلسطين رغم الاعتراف الدولي الواسع بها كطرف في الصراع، إسرائيل وأمريكا ضد الدولة الفلسطينية ولا تعتبرها شريكاً للسلام بل نبذت منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها وحاصرت السلطة حصاراً خانقاً لإسقاطها، لا دولة فلسطينية ولا فلسطينيين على الإطلاق وإسرائيل لن تخرج من قطاع غزة.

بالإعراب والتنديد نواجه تصريحات سفير أمريكا في إسرائيل مايك هاكابي: (من حق إسرائيل أن تحصل على المنطقة من النيل إلى الفرات هذه منحة إلهية غير قابلة للمناقشة بالنسبة للصهيونية الدينية والمسيحية) مشروع توسعي يعيد رسم خريطة المنطقة بكاملها، الحق الديني يتحول إلى مشروع سياسي على دول ذات سيادة الأردن وسورية ولبنان ومصر والعراق والسعودية، ينسف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي واحترام السيادة ويقوض السلم والأمن الدوليين، ونتنياهو بمهمة تاريخية يدير معركة وجودية مع تقاطع الخطابين، فنحن أمام أخطر مرحلة نواجهها مع تزايد الحشد الأمريكي بحجة إيران، إخضاع إيران يعني إخضاع الشرق الأوسط الهدف ليس إيران وحدها بل إعادة ضبط ميزان القوة بالعالم، وإيران ترى نفسها نداً لأمريكا وأقوى من إسرائيل وهذه مقدمات الحرب.

نتنياهو أمام التحدي إما يحقق نبوءة إسرائيل الكبرى أو السقوط في لعنة العقد الثامن، ووثائق إبستين الآن ورقة ابتزاز ليسير القطيع وفق خارطة تل أبيب كشبكة دولية لها فروع في عدة دول تضم رؤساء وبنوكاً وشركات ومختبرات ومنظمات وعلماء ومفكرين كبار وحالة الفساد في النخبة والقيادات التي تحكم وتدير الأمور في عالمنا، وفتح أرشيف الوسيط النرويجي تيري رد لارسن عراب أوسلو كورقة ضغط تمارس على الفلسطينيين، فالكيان الفلسطيني الناتج عن اوسلو يقوم أمنياً تحت الاحتلال الإسرائيلي مشروط بنبذ منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية للإرهاب والعنف، والتنسيق الأمني هو البند الأهم من وجهة نظر إسرائيل والذي لا يجوز تجاوزه، واقتصادياً هو ملحق بالمشاريع المشتركة معه، وسياسياً لا ينال شيئاً إلا بالتفاوض الثنائي وموافقة القيادة الاسرائيلية، وهذا يخدم أهداف إسرائيل لتصبح قوة سياسية واقتصادية إقليمياً وحتى دولياً.

ويؤخذ على منظمة التحرير أنها تفردت بالموافقة على الاتفاقية واعترفت بحق إسرائيل في الوجود مما يعني شرعية احتلال 78% من أرض فلسطين المحتلة عام 1948 والتي لا تجري عليها أية مفاوضات، وقبلت ب22% في الضفة الغربية وقطاع غزة التي لم يتم الاشارة إليها كأراضٍ محتلة مما يعزز الاعتقاد بأنها أراضٍ متنازع عليها، وتحويل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر إلى سلطة تحت الاحتلال، تأجيل قضايا أساسية كملف اللاجئين وحق العودة وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وفق الشرعية الدولية ومستقبل المستوطنات، ولأن منظمة التحرير تعهدت بعدم اللجوء إلى القوة إطلاقاً فقد أصبحت الكرة في ملعب إسرائيل التي تملك أوراق القوة وأوراق اللعبة.

اتفاق أوسلو الذي وصفه محمود درويش بأنه (مجازفة تاريخية وخطيئة أكبر من أن تغتفر)، نجد أن الفلسطينيين يدفعون ثمناً باهظاً نتيجة هذا الاتفاق الكارثي منذ وصول حكومة اليمين الإسرائيلية بزعامة نتنياهو التي نعت السلطة الفلسطينية بإقدامها على تصرفات أحادية الجانب والمترافقة مع استمرار الاستيطان الذي زاد بمعدل 350% عن عام 1993 الذي جعل اقامة دولة فلسطينية متصلة أمراً مستحيلاً، وأخيراً سموتريتش أعلن إلغاء اتفاق أوسلو وضم الضفة وتهجير مَن في الضفة والقطاع وتفكيك فكرة الدولة الفلسطينية، وهذا الحل البعيد للصراع متزامن مع القتل والاعتقال وهدم المنازل والتوسع الاستيطاني معتبراً أن ما تبقى من ولاية ترمب (نافذة زمنية محدودة) يجب استغلالها لتحقيق الحلم التوراتي في ضم (يهودا والسامرا).

الحلم التوراتي لا يمكن أن يتحقق إلا بزعزعة أمن المنطقة، وواشنطن ما تزال تحشد المزيد من الجيوش والدفاعات الصاروخية وحاملات الطائرات في الشرق الأوسط براً وبحراً وجواً، دعم سياسي ولوجستي وكل ثقلها لضمان بقاء الدولة اليهودية وحماية أمنها ولو سقط العالم، ولكن نتنياهو وحكومته بدا يشكل عبئاً استراتيجياً أمام التحرك الأمريكي وأولوياتها للتفرغ لمواجهة الصعود الصيني والروسي على قيادة العالم، وسيكون السقوط الأمريكي في الشرق الأوسط ما يعني السقوط في العالم؟! بلغ اليأس والعجز مداه، الفلسطينيون الذين يخسرون أرضهم قطعة قطعة أمام خيارات قاتلة: الموت أو الاستسلام والترحيل، ومع ذلك وجب الاستفادة من المتغيرات الدولية في التعامل مع الإشكاليات الاقليمية التي ساهمت فيها أيضاً المواقف المبدئية للعديد من دول المنطقة (السعودية ومصر وتركيا) وصحة سياستها ودقة تحالفاتها وأفول الأحادية القطبية وبدء تكرس التعددية القطبية.

 

 

العدد 1188 - 25/02/2026