2026.. عام النمو الحذر..  الاقتصاد العالمي بين مرونة الأسواق وتآكل اليقين السياسي

 سليمان أمين:

بعد نهاية عام حافل بالتحولات، يبدو عام 2026 أقرب إلى مرحلة الاستقرار الهش في الاقتصاد العالمي. ليس عاماً للانفجار ولا للانكماش الحاد، بل زمنٌ تتعايش فيه مؤشرات نمو معتدل مع توترات سياسية وتجارية عميقة، تُعيد رسم خريطة القوة الاقتصادية ببطء ولكن بثبات. العالم دخل 2026 وقد تراجعت صدمات الجائحة، لكنه لم يتعافَ بعد من آثار التضخم، الحروب التجارية، والتحولات التكنولوجية المتسارعة. في هذا السياق، تتفاوت المسارات بين الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوربي، والعالم العربي، ضمن لوحة عالمية واحدة يحكمها الحذر أكثر مما تحكمها الثقة.

الولايات المتحدة نموّ مدفوع بالسياسة والابتكار.. ومقيّد بالانقسام

دخل الاقتصاد الأمريكي عام 2026 بنمو معتدل، يتأرجح بين سيناريو متفائل يتجاوز 2.5%، وسيناريو أكثر تحفظاً يقترب من 1.5%. هذا التفاوت لا يعكس ضعف البيانات بقدر ما يعكس هشاشة التوقعات نفسها. فالاقتصاد الأمريكي يستفيد من سياسة مالية مرنة، واحتمالات تخفيض أسعار الفائدة، إضافة إلى زخم استثماري تقوده قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. غير أن هذا الزخم يصطدم بعوامل معاكسة، أبرزها عودة السياسات الحمائية، والرسوم الجمركية، والتوترات التجارية التي قد تضرب الاستهلاك وسلاسل الإمداد. فالانقسام السياسي الداخلي يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد الاقتصادي. فالتجارة باتت ملفاً انتخابياً بامتياز، ما يجعل القرارات الاقتصادية خاضعة لحسابات سياسية قصيرة الأجل. وهنا، لا يكمن الخطر في تباطؤ النمو بحد ذاته، بل في تآكل القدرة على التخطيط طويل الأمد، وهو ما يضعف ثقة الأسواق حتى في أكثر الاقتصادات قوة.

 

الصين نمو قوي نسبياً.. مع تصدعات داخلية صامتة

دخلت الصين عام 2026 بمعدل نمو يبقى مرتفعاً مقارنة بالاقتصادات الكبرى، يدور حول 4.5%. إلا أن هذا الرقم يخفي خلفه تحولات بنيوية عميقة. فمحركات النمو التقليدية، من استثمارات عقارية وصناعات كثيفة رأس المال، لم تعد تعمل بالزخم ذاته. في المقابل، تسعى بكين إلى إعادة توجيه الاقتصاد نحو الاستهلاك المحلي، الابتكار، والصناعات التكنولوجية. فالتوتر التجاري مع الولايات المتحدة لم يعد حدثاً طارئاً، بل بات جزءاً من الوضع الطبيعي الجديد. الصين ترد بتنويع شراكاتها التجارية، وتعميق علاقاتها مع الأسواق الناشئة، ومحاولة تقليل الاعتماد على الأسواق الغربية. غير أن ضعف الطلب المحلي وتباطؤ بعض القطاعات العقارية يفرضان قيوداً داخلية، تجعل النمو أقل جودة حتى وإن بقي مرتفعاً رقمياً.

 

الاتحاد الأوربي نمو ضعيف

في اقتصاد متعب

في أوربا، يبدو عام 2026 امتداداً لمرحلة النمو البطيء. معدلات النمو المتوقعة، التي تكاد لا تتجاوز 1%، تعكس اقتصاداً يعاني من ضعف الطلب الخارجي، وتراجع القدرة التنافسية لبعض الصناعات، إضافة إلى آثار متراكمة لارتفاع تكاليف الطاقة والتجارة. البنوك المركزية الأوربية تجد نفسها أمام معادلة صعبة تحفيز النمو دون إعادة إشعال التضخم. فالسياسة التجارية العالمية تؤثر مباشرة على القارة، التي تعتمد بشكل كبير على التصدير. التوتر بين الولايات المتحدة والصين ينعكس على أوربا، ليس بوصفها طرفاً مباشراً، بل كضحية جانبية لإعادة رسم سلاسل التوريد. ورغم الحديث المتزايد عن التحول الأخضر والاقتصاد الرقمي، يبقى التنفيذ أبطأ من الطموحات، ما يجعل التعافي الأوربي هشاً ومجزأً.

 

العالم العربي مرونة نفطية وتحولات غير نفطية

في المقابل، يظهر العالم العربي، ولا سيما دول الخليج، بصورة أكثر مرونةً. معدلات النمو المتوقعة في 2026، التي تتراوح بين 3.8% و4.8%، تعكس مزيجاً من ارتفاع الطلب على الطاقة وتقدم برامج التنويع الاقتصادي. الاستثمار في القطاعات غير النفطية، مثل التكنولوجيا، الخدمات، والسياحة، لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية. ومع ذلك، تبقى اقتصادات المنطقة مرتبطة بشكل وثيق بالتقلبات العالمية. أي تباطؤ حاد في الاقتصاد العالمي أو تصعيد في الحروب التجارية سينعكس سريعاً على الطلب والطاقة والاستثمار. غير أن الفارق اليوم هو امتلاك بعض الدول العربية أدوات امتصاص الصدمات، عبر احتياطيات مالية وسياسات تنويع أكثر وضوحاً من السابق.

 

الاقتصاد العالمي نمو بلا يقين

على المستوى العالمي، يبدو عام 2026 عاماً للنمو المعتدل، بمتوسط يتراوح بين 2.5% و3%. لكنه أيضاً عام تتكاثر فيه المخاطر غير الاقتصادية: الجغرافيا السياسية، التكنولوجيا، والتغير المناخي. التجارة الدولية لم تعد محكومة فقط بالكفاءة الاقتصادية، بل بالاعتبارات الأمنية والاستراتيجية. الذكاء الاصطناعي، من جانبه، يتحول من أداة إنتاج إلى عامل سياسي، يعيد تشكيل أسواق العمل والتنافس الدولي.

الاستثمار في التحول الأخضر يستمر، لكنه يتعرض لضغوط مالية وسياسية، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو وارتفاع كلفة التمويل. وهنا، يبرز سؤال مركزي: هل يستطيع العالم الحفاظ على مسار التحول طويل الأمد في بيئة قصيرة النفس؟

ختاماً: عام 2026 لا يعد بازدهار كبير، لكنه أيضاً لا ينذر بانهيار شامل. إنه عام التوازن القلق، حيث تتعايش فرص النمو مع هشاشة السياسة، والابتكار مع الانقسام، والمرونة مع عدم اليقين. الاقتصاد العالمي يبدو قادراً على الاستمرار، لكنه أقل قدرة على الإقناع. وفي عالم باتت فيه الثقة سلعة نادرة، ربما يكون التحدي الأكبر في 2026 ليس تحقيق النمو، بل الحفاظ على الإيمان بإمكانية استدامته.

العدد 1184 - 28/01/2026