أهمية استعادة الحقول النفطية في منطقة دير الزور وضرورة تأمينها وإعادة التقييم والهيكلة ثم الإنتاج
د. زياد أيوب عربش / (أكاديمي ومستشار اقتصادي خبير في شؤون الطاقة):
دون مبالغة، كونه من الباكر جداً الحديث عن تحقيق إنتاج جوهري سريع قبل عدة أسابيع، لكن هذه الاستعادة تطوي ١٥ عاماً من خروج أهمّ مورد للاقتصاد السوري من سيطرة الدولة، هذا الخروج الذي كان يماثل بحجم أهميته أثر العقوبات. فانقطاع الإمداد الداخلي من الخام لمصفاتي حمص وبانياس، وتوقف التصدير بشكل كلي، كان يعني حرمان سورية من أهم مورد للقطع، وحاجتها الماسة لاستيراد النفط والغاز والمشتقات. فعدم الاستعجال ينبع من أمور عديدة، أولها اتضاح الصورة الأمنية والعسكرية وضمان عدم تعرض الحقول المستعادة لأي عمليات عسكرية. بعدها، تبدأ الورش الفنية بتقييم أولي ثم مفصل من قبل الشركة السورية للنفط أولاً لكل المواقع والمؤشرات الفنية، بما فيها الآبار والحقول بشكل عام والبنيات التحتية. فمعايير استخلاص النفط (وبعض حقول الغاز المرافق) تتطلب أمثلية في جهة الضخ والترحيل، إذ تعرضت العديد من الآبار لاستخراجات جائرة وبعضها (قُشِطَتْ) منها كميات كبيرة دون احترام قواعد الإنتاج، مما أفقدها الضغط الداخلي ويتطلب إعادة تقييم الاحتياطي القابل للإنتاج فنياً واقتصادياً. ثم تأتي إعادة هيكلة البنية التحتية للترحيل (بالصهاريج أو بالأنابيب الفرعية)، وفي المرحلة الثانية تبدأ عمليات التوسع واستقدام الشركات الدولية لزيادة كميات الاحتياطي القابل للاستخراج وبالتالي الإنتاج.
الأهمية الاقتصادية والسيادية: إن استعادة مجمع الثورة النفطي وحقول دير الزور (كل حقول المنطقة الشرقية) تمثل خطوة حاسمة لتعزيز سيادة الدولة ودعم الاقتصاد، خاصة مع إنتاجها السابق لثلث النفط السوري (حوالي 130 ألف برميل يومياً قبل الثورة)، وتشكل 70% من الاحتياطيات النفطية السورية (2.5 مليار برميل). هذه الحقول ستساهم في تمويل التعافي الوطني وتخفيف الضغوط المعيشية عبر تحسين إنتاج الطاقة، مما يعزز السيطرة على الموارد الاستراتيجية ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحسن الميزان التجاري بنسبة ملحوظة خاصة مع انخفاض الليرة بنسبة 98% مقارنة بعام 2011. اقتصادياً، ستدعم عائداتها إدارة قطاع الطاقة وتمويل إعادة الإعمار مع توزيع عادل، مما يسمح نظرياً بتخفيف الفقر والبطالة إذا أحسنت إدارة العوائد المالية.
المتطلبات والتحديات لرفع الإنتاج: يفترض رفع الإنتاج صيانة البنية التحتية القديمة، واستثمارات فنية، وإعادة تأهيل الآبار، لكن نقص التكنولوجيا واللوجستيات المتضررة من الحرب، إضافة إلى تقييمات غير سليمة دون التركيز على حلول إصلاحية لزيادة الكفاءة تدريجياً، يعني عدم الاستفادة المثلى. لذلك، لابد من صياغة خطة محكمة تركز على أمثل الطرق للإنتاج، مع النظر في التأثير البالغ على الميزان التجاري حيث ستقلل استعادة حقول الرقة ودير الزور فاتورة الاستيراد، وتحسن سعر الصرف، وتحفز القطاعات الزراعية والصناعية عبر توفير طاقة رخيصة، مما يعزز التصدير والنمو الاقتصادي.
التأثير على الحالة المعيشية: ستساهم هذه الاستعادة في تحسين الحالة المعيشية بعد تحسين إمدادات الكهرباء والوقود، مما يدعم الصناعة والنقل، ويؤدي لاحقاً إلى تخفيض التكاليف المعيشية للمواطنين مع انتعاش الإنتاج المحلي وزيادة الدخل الوطني.
صفحة جمعية العلوم الاقتصادية