وإذا الموءودة سُئِلَتْ
حسين خليفة:
هي حالة من مئات، إن لم نقل آلاف الحالات التي تتكرّر في مجتمعنا والمجتمعات الإسلامية، لكن الفارق هنا فقط هو في وصول الحكاية إلى الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، وبذلك تحوّلت إلى قضية رأي عام، رغم كل ما يعانيه الرأي العام عندنا من تجاهل وحصار واتهامات، وهي إحدى إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم يعد ممكناً التعتيم على الحوادث والقضايا التي تكشف قصور القوانين، أو تهافت الأعراف والعادات والتقاليد البالية، سواء تلك التي تستمد من أزمان مظلمة، أو المستمدة من تعاليم دينية مُتشدّدة في تفسيرها أو في محتواها.
السيدة، التي زوَّجها أهلها طفلة، آيات الرفاعي تتعرّض لضرب مبرح من حميها ثم من زوجها حتى الموت، الحادث وقع في حي فقير من أحياء دمشق، ولولا أن قامت أختها بإيصال القصة إلى وسائل التواصل لماتت كغيرها بالتواطؤ بين الجاني وأهله والقيّمين على المشفى الذي أُسعفت إليه والسلطات المسؤولة هناك، لكنها المصادفة وقلب الأخت المحروق على أختها ما كشف التواطؤ وتشويه الحقائق حول سبب مقتل السيدة الصغيرة التي عانت طوال حياتها الزوجية من الضرب والتعنيف حتى كانت نهاية حياتها على يد من يفترض أنه شريك حياتها وسكنها، علماً أنّ الجريمة الأولى التي ارتُكِبَتْ بحقّ آيات هي تزويجها وهي طفلة لا تعرف حقوقها وواجباتها كزوجة.
والضرب عادة طبعاً تعودت عليه آيات كما آلاف الزوجات في هذا المجتمع الذي يتفاخر بقيم التسامح والعدل والمساواة، وفي بلاد هي مهبط الديانات السماوية الثلاث كما تُكنّى.
الأساس الذي يبيح ضرب الزوجة ككائن ضعيف جسدياً أمام الرجل في المجتمعات الإسلامية هو في الآية القرآنية التي تقول بشكل صريح لا لبس فيه بجواز، بل بضرورة، ضرب المرأة حين لا ينفع معها الكلام (الوعظ والإرشاد)، ثم الهجر في الفراش.
)اللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) سورة النساء (34(.
وقد ذهب بعض المفكرين الذين حاولوا (عصرنة) الإسلام، وتطويع بعض أحكامه مع روح العصر وشرعة حقوق الإنسان، بالقول: إنّ معنى كلمة (اضربوهنّ) في الآية لا تفيد الاعتداء الجسدي عليهن، وهو قول ضعيف لا يصمد في أي تأمل للعبارة، فهم يرون أنها تعني في غالبها المفارقة، والمباعدة، والانفصال والتجاهل، خلافاً للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب), فمثلاً الضرب على الوجه يستخدم له لفظ( لطم) والضرب على القفا ( صفع) والضرب بقبضة اليد (وكز)، والضرب بالقدم (ركل)، وفي المعاجم: ضرب الدهر بين القوم أي فرّق وباعد، وضرب عليه الحصار أي عزله عن محيطه، وضرب عنقه أي فصلها عن جسده، فالضرب إذاً يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل، حسب رأي هؤلاء.
أما غالبية المفسرين المعتمدين شرعياً وتاريخياً فيأخذون المعنى المباشر والصريح للآية القرآنية، وهي توضح بصريح العبارة أنه إذا نشزت المرأة على زوجها وعصت أمره سلك معها سبيل الوعظ والتذكير، فإن لم يُفد سلك معها سبيل الهجر في المضجع، فإن لم يفد ضربها ضرب تأديب وتعليم، لا ضرب انتقام وإيذاء.
ولأنّ الإسلام هو أحد أهم مصادر التشريع عندنا، لم يتجرّأ المشرِّع على تجريم الاعتداء على الزوجة، وإنما تعامل مع الحالة كاعتداء أو شجار في الشارع بين غرباء يترتّب عليه تجريم المعتدي بجنحة أو جناية حسب الضرر اللاحق بالمعتدى عليه وتفاصيل أخرى لا يتسع المجال لذكرها، هذا فقط إذا تجرّأت الزوجة واشتكت على زوجها الذي قام بضربها، وهي حالة نادرة الوقوع، إذ يلفُّ الصمت معظم الحالات خوفاً من الطلاق والعقاب إن اشتكت.
رغم أنه يرد في القرآن أيضاً: ﴿وَمِن آیـاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِّتَسكُنُوۤا إِلَیهَا وَجَعَلَ بَينكُم مَّوَدَّة وَرَحمَةً إِنَّ فِی ذَلِكَ لَآیَات لِّقَوم یَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم ٢١)، وضرب الزوجات يتناقض مع هذا الكلام جملة وتفصيلاُ، إذ كيف تضرب نفساً خُلِقت من نفسك، تسكن إليها وتسكن إليك، وبينكما مودة ورحمة؟!
بين تزمّت المفسرين ووضوح النص الديني، والإصرار على اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للقوانين، وخصوصاً قوانين الأحوال الشخصية، تُطحن حيوات ألوف النساء تحت رحى ضخمة متوحّشة لا ترحم، وتكاد صرخاتهن لا تصل إلاّ لماماً.
لقد آن الأوان لطيّ هذه الصفحات السوداء من تاريخ مجتمعاتنا، وسن قوانين مدنية تُقرّها برلمانات منتخبة تضم نخب المجتمع وتُعبّر عن قواه الحيّة، قوانين قابلة للتعديل كلما لمسنا فيها قصوراً دون أن نصطدم بسلطة المقدّس والأزلي، إذ ليس من المقبول أن تستمر دولة، تقول عن نفسها إنها علمانية، في اجترار شرائع تنتمي الى عصور موغلة في القدم خوفاً من إغضاب أصحاب العمائم وسعياً لإرضائهم.
عندئذٍ ترتاح روح آيات وأرواح آلاف الضحايا من النساء اللاتي قُتِلن بصمت ووحشية دون أن يرفَّ للقتلة جفن.
ستحاسبكم آيات وآلاف الموءودات إن لم تسارعوا إلى طيّ هذه المآسي بقانون مدني عصري يتجاوز جميع الأديان ويقيم العدالة الممكنة.