بصمت نواجه العنف
وعد حسون نصر:
نعم، نحن النساء العرب المقيدات بالعادات والتقاليد، القابعات تحت جناح مُحرَمٍ خشية العار، القاصرات بنظر القانون لأن كل واحدة منّا تساوي نصف رجل، ولنكون بمثابة رجل كامل علينا أن نكون اثنتين، ولتأخذ المحاكم بشهادتنا علينا أن نكون اثنتين مقابل رجل واحد، ولنتمتّع بميراث أهلنا علينا أن نكون أختين مقابل أخ، وطبعاً إذا تكرّم عميد أسرتنا علينا بميراثٍ، علينا أن نرضى ولو بغرفة صغيرة كي لا يغضب منّا ذكور الأسرة وكي لا يمارسوا علينا عنفهم أكثر فأكثر، وقد صار هذا العنف المتجذّر داخل مجتمعاتنا العربية على النساء، بتاريخه الطويل، للأسف، أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمراراً لإخضاع النساء بالرضوخ لسلطة ذكر وصيّ عليهن في المجتمع، وهنا تكون المرأة بمثابة قاصر مهما بلغت من العمر، فهي تحت رحمة أبٍ أو أخ حتى تخرج من منزل أهلها عروساً إلى بيت زوجها، فتصبح تحت رحمته ورحمة ابنها الذكر. ورغم نشاطات المنظمات الإنسانية والحقوقية التي عملت في مجال تحرير المرأة من عبودية السلطة الأسرية في بيت الأهل والزوج، إلاّ أننا مازلنا نرى حالات كثيرة تبيّن تعرّض المرأة للعنف الجسدي أو اللفظي أو المعنوي. وأتت جريمة قتل آيات الرفاعي، الشابّة السورية، دليلاً واضحاً لتعرّض كثير من النساء السوريات للعنف بصمت أدّى بهن إلى الموت. ولو لم تتحوّل قضية آيات إلى قضية رأي عام لما أُنصفت أمام القانون المُهّمِّشِ لقضايا وحقوق المرأة حتى في موتها. ثمّ، بعد مقتل آيات، قرأنا عن (أمل)، الطفلة البريئة التي قُتلت على يد مُحْرَمْ من العائلة أراد أن يسلب عذريتها، فلمّا رفضت قُتلت بدم بارد وصمت مخيف، وسط اعتبار القانون أن المجرم حَدَث وكان تحت تأثير الخمرة! وبعدها أيضاً قضية (ولاء ورهام) الشقيقتين القاصرتَين المُرتكب بحقهن جريمتين معاً: جريمة الزواج المبكّر تحت السن القانونية، وجريمة قتلهن بدم بارد من قبل ربّ الأسرة!! وللأسف مازال الأب فارّاً من عقوبة القانون وكأنه لم يزهق روحين معاً بدم بارد؟!
هل نحن وسط غابة ينهش الجميع لحمنا، والذنب الوحيد أنّنا نساء يقبع شرف العائلة في جسدنا؟ وأيُّ انتهاك لهذا الشرف ثمنه أرواحنا؟ فأين القانون الذي يحمينا من وحش الشكِّ في نفوس أهلنا قبل الوحوش الغريبة المحيطة بنا؟ ألم نصل بعد إلى مفهوم أن رفع الظلم عن المرأة هو بمثابة رفعه عن المجتمع كلّه لأنها المجتمع بأكمله!؟ لذا يُعتبر تحرّر المرأة بمثابة تحرّر للأوطان والإنسان، لأنه لا يمكن لأمٍّ مُستعبدَة أن تنجب ولداً حرّاً، ولا يمكن لأمّ مريضة أن تنجب طفلاً صحيح البنية سليم العقل والجسد، ولهذا كان لا بدّ من توجيه الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بالمرأة، وخلق المناخ الملائم الذي يساعدها في الخروج من بوتقة الجهل والظلام إلى ساحة العلم والنور، وتهيئة الظروف المناسبة التي تمكّنها من تطوير نفسها، لتساهم في تطوير المجتمع. لذا يجب أن يقف القانون بمواده وبنوده ومؤسّساته ومنظماته إلى جانبها حتى يكفَّ الرجل بسلطته الذكورية عن ممارسة العنف ضدّها، لأن العنف والذل والقهر الأسري والمجتمعي يشلُّ قدرة المرأة على الحياة، وعلى الشعور بالكرامة والإنسانية، فمن أجل أن نُعيد للمرأة كيانها وكرامتها يجب العمل على زيادة الوعي والثقافة داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع، للقضاء على العنف الواقع على النساء بكل أشكاله، كذلك يجب العمل على توزيع المسؤوليات وتقسيم المهام بين الرجل والمرأة، وتشجيع الرجل على احترام المرأة: شريكته في الحياة الزوجية، شقيقته في منزل الأسرة، والدته وابنته، لينهض المجتمع بنصفيه مُتكاملاً مُتغلباً على الجهل والتخلّف القابعين وراء كل هذا العنف، كذلك يجب العمل على توعية المرأة نفسها لمعرفة حقوقها كي لا تكون ضحية جهل وعبارة موروثة بالمفهوم الشعبي داخل المجتمعات العربية ( ظِلُّ رجل ولا ظِلُّ حيط) وغيرها كثير من الأمثال التي يتمُّ تداولها بين الناس في المجتمع، والتي تُعزّز الثقافة الذكورية والنظرة الدونية والعنصرية ضدّ المرأة.
لذلك من الضروري أن نتسلّح بالوعي نحن النساء لمحاربة كلّ ظواهر العنف ضدّنا، وأن نسعى لتعزيز دور القانون من أجل وقوفه في صفّنا لحمايتنا من ذواتنا قبل تسلّط ذكور المجتمع علينا، كي لا تكثر الجرائم ويعمَّ الجهل ونصبح تحت رحمة وصيّ، لا نريد أن نُكرّر مأساة جديدة ضحاياها إناث لم ينصفهن المجتمع ولا القانون، فأصبحن في عداد الأموات!