تعديلات تشريعية مسكونة بالخوف لا ترتقي بالمجتمع

إيمان أحمد ونوس: 

بما أن الأسرة هي الخلية الأساسية في كل المجتمعات الإنسانية، فقد استأثرت باهتمام علماء الاجتماع والسياسة، إضافة إلى اهتمام الحكومات والدول على مرّ التاريخ.

من هنا جاء القانون رقم 42 لعام 2003 القاضي بإحداث الهيئة السورية لشؤون الأسرة، وهو يهدف حسب المادة 2 منه إلى تسريع عملية النهوض بواقع الأسرة السورية، ‏وتمكينها بشكل أفضل من الإسهام في جهود التنمية البشرية. إضافة إلى أن الفقرة هـ من المادة ذاتها تنص على اقتراح تعديل التشريعات المُتعلّقة بشؤون الأسرة.

‏وقد كان لصدور هذا القانون وقعه الإيجابي على المعنيين والمُهتمين بشؤون الأسرة، وكذلك على الناشطين/ ـات في قضايا المرأة والطفل والمجتمع، وكان الأمل كبيراً بإحداث تغييرات حقيقية في مجال قانون الأحوال الشخصية والقوانين الأخرى، تغييرات تتواءم مع الدستور ومع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بالمرأة والطفل والتي صادقت عليها سورية، بما يُنصف هاتين الشريحتين الأضعف في المجتمع، إذ لا يزال العنف الأُسري مُستشرياً ضدّهما في مختلف البيئات، لاسيما تلك التي تعيش حالة من الانغلاق والتشدّد حيال التربية والمرأة بشكل عام. وقصة موت الشّابّة آيات الرفاعي على يد زوجها وأهله ما زالت عالقة بالأذهان، ومثلها جريمة قتل طفلة على يد أهلها، بعد علمهم باغتصابها وهي بعمر خمس سنوات* رغم وجود حالات مُشابهة قبل حالة آيات وهذه الطفلة وبعدهما لم تُحرّك ساكناً في مستنقع القيم والمفاهيم المجتمعية والدينية وحتى التشريعية السائدة. ولا يفوتنا ما يجري تناقله في المجتمع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي عن حالات إلقاء أطفال رُضّع أمام أبواب المساجد والكنائس وأماكن عامة أخرى بسبب عدم تمكّن الأهل من إعالة هؤلاء الأطفال، وغيرهم ممّن يتمُّ دفعهم إلى سوق العمل بعمر مبكّر لمساعدة الأهل في مصاريف الأسرة، وبالتالي حرمانهم من حقهم في التعليم أسوة بأقرانهم. ويندرج في هذه المضمار تزويج الطفلات للتخلّص من أعباء معيشتهن وتعليمهن في ظلّ ظروف معيشية قاسية وعلى مرأى ومسمع الجميع بمن فيهم الجهات المعنية والمسؤولة في الحكومة في انتهاك فظيع لحق الطفل في حياة كريمة بكنف والديه وأسرته ومجتمعه.

إن كل ما ذكرناه من حالات عنف وتعنيف أسري تطول النساء والفتيات والأطفال لا تجد في التشريع السوري قانوناً خاصاً بها يقتصُّ من المجرم، بل بقيت مجرّد مواد متناثرة في بعض القوانين ومنها قانون العقوبات الذي طالته تعديلات لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، رغم أهمية إلغاء المادة 548 منه في عام 2020 والمُتعلّقة بجرائم الشرف.

وكذلك، صدور قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2020 بعد طول انتظار استمر لأكثر من عشرين عاماً على طرح الهيئة السورية لشؤون الأسرة لمشروع هذا القانون الذي لا يمكننا التنكّر لأهميته في الوقت الراهن والظروف المأساوية التي يعيشها الشعب السوري في الداخل أو في مخيمات اللجوء في الخارج بسبب حرب ممتدٌّ لهيبها منذ ما ينوف عن السنوات العشر كان الأطفال خلالها دافع الضرائب الأكبر من حيث التشرّد والنزوح أو اللجوء الذي فرض على تلك الشريحة الأضعف وضعاً مأساوياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فقد انتُهكت حقوقهم وبراءتهم بأفظع أشكال التسوّل والعمالة والدعارة المُحرّمة دولياً. لكن بالمقابل فإن هذا القانون لم يُشر إلى الكثير من القضايا والإشكاليات الناجمة عن الحرب والتي كان الأطفال ضحيتها كعدم إثبات النسب أو التسجيل في السجلات العامة، أو حق الأم في الوصاية على الطفل بغياب الأب الذي اغتالته الحرب أو الهجرة والنزوح، وغيره الكثير من المسائل التي كان من الواجب التطرّق أو العمل عليها لها بعد كل هذا الانتظار لمثل هكذا قانون.

صحيح أنه تمّ في العام 2013 تشكيل لجنة قضائية لتعديل المواد التمييزية ضدّ المرأة في القوانين السورية، وقد أنهت هذه اللجنة مهمتها في شباط من عام 2014 ولكن دون نتائج ملموسة وحقيقية واضحة في المجال التشريعي السوري لمصلحة النساء السوريات، باستثناء التعديل الجاري على قانون الأحوال الشخصية بالقانون رقم 4 لعام 2019 فقد جاءت غالبية تلك التعديلات على شكل تعديلات لغوية لا أكثر في بعض المواد لأن المضمون بقي كما هو ما عدا تعديل المادة 150 المتعلقة بحريّة السفر والتنقّل بالطفل التي كانت محصورة سابقاً بالأب دون الأم وفق المادة 70 من القانون القديم، فجاء التعديل مُنصفاً للأبوين في هذا المجال بحيث لا يحقُّ لأحدهما السفر بالطفل دون موافقة الآخر سواء أثناء الزوجية أو الطلاق.

وهنا، لا يُمكننا تجاهل إصرار المُشرّع على إبقائنا تحت مظلّة قوانين وتشريعات سُنّت منذ قرون ولم تعد تتوافق مع العصر والتطوّرات التي طالت مختلف مناحي حياة المجتمع بجنسيه المرأة والرجل ومعهما الطفل، تجاهل مردّه الإصرار على بقاء الفقه الذي سنّ تلك القوانين مصدراً أساسياً للتشريع، وانطلاقاً من هذا تمّ التحفّظ على مواد هامة وأساسية في اتفاقيتي حقوق الطفل والمرأة اللتين صادقت عليهما سورية، وأهم هذه المواد باعتقادي هي المادة 16 من اتفاقية السيداو التي تناولت الحياة الأسرية، وقد تمّ التحفّظ عليها لأنها تتناقض مع قانون الأحوال الشخصية السوري الذي ما زلنا نسعى جاهدين لتغييره بما ينسجم مع وضع المرأة السورية الراهن كعاملة خارج البيت، وكذلك مع وضع الأسرة التي طرأت عليها تبدّلات وتغيّرات تفترض وجود قانون خاص بها يحمي حقوق جميع أفرادها بما فيهم الرجل الذي لم يعد بمفرده قادراً على القيام بجميع الواجبات والمسؤوليات التي كان يحملها سابقاً.

لا شكّ أن هذا الإصرار والتعنّت مردّه في أحد جوانبه خوف المُشرّع من أي تجديد يطول الحياة خشية الابتعاد عن روح الدين، وهذا ما يُذكّرني بالتصريح الذي أدلى به الدكتور محمود عكام أستاذ قانون الأحوال الشخصية خلال ندوة تلفزيونية عُقِدَت بهذا الخصوص مساء 26/7/2011 ، فقد قال:

(نحن مسكونون بالخوف من كل تغيير وتعديل، وكأنه سيُصيب قلب الإسلام… إن تعديل القانون يجب أن يتمَّ وفق ثلاثة مبادئ أساسية: العدل، الرحمة، والاستجابة لمتطلبات الإنسان والعصر… ولذا يجب أن تكون هناك محاكم أسرة تتولى البتَّ والتقدير فيما ابتعد عنه القانون الحالي).  وأضاف- وهنا مكمن الحكمة: (لا تخافوا على الإسلام من تعديل قانون الأحوال الشخصية، لأن الإسلام يريد للإنسان الرحمة والأمان، ولأن الإسلام يتحرّك وفق بوصلة الإنسان).

وباعتقادي أن في قوله- الإسلام يتحرك وفق بوصلة الإنسان-  يدحض كل الحجج والذرائع الرامية إلى ربط كل تغيير أو تطوير لقوانين الحياة بشجرة الأصولية الدينية أو القيمية الرامية إلى تقييد المجتمع وفق قوانين أكل عليها الدهر وشرب. كما أنه قول فيه اعتراف بضرورة مواكبة التطور الاجتماعي والثقافي الذي وصلت إليه الأسرة بكل مكوّناتها، وبالتالي ضرورة تشريع وسنّ قانون أسرة عصري بما يتضمنه من محاكم أسرية تضم بين أعضائها مختصين في الإرشاد النفسي والاجتماعي وباحثين تربويين، قانون أسرة يواكب كل تلك المتغيّرات والتطورات، ويتلاءم مع المواثيق والاتفاقيات التي صادقت عليها سورية كاتفاقية حقوق الإنسان وحقوق الطفل واتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز والعنف ضدّ المرأة- سيداو-  بما فيها رفع التحفظات الموجودة على بعض مواد وبنود هذه الاتفاقيات.

*  https://www.salonsyria.com

العدد 1194 - 15/04/2026