حول العقلانية الإسلامية

يونس صالح:

أيهما أجدر بالتقييم: العقل أم النقل؟

حول هذه الثنائية دارت معارك المفكرين في التاريخ العربي الإسلامي، وقد شارك فيها الساسة أيضاً، وانقسم الرأي بين مؤيد لهذا الموقف ومشايع لذاك، فهل وصل الفريقان إلى يقين؟

في الحضارة اليونانية القديمة، وكذلك في صورتها الحديثة- الحضارة الغربية المعاصرة، انحاز الفلاسفة إلى (العقل) و(براهينه) بوصفهما أداة وحيدة لإدراك الحقيقة في الظواهر والأشياء.. ففي المجتمع اليوناني، كانت السيادة للوثنية، ولم يكن هناك (وحي) إلهي، ولا (نقل) ديني ينافس (العقل) ويزامله في ميادين التفلسف والتأمل والتفكير.

ولأن النهضة الحضارية الغربية- رغم تبلورها في مناخ مسيحي- كانت علمانية الروح والجوهر والطابع، وبسبب رفض اللاهوت المسيحي- كما تبلور في الكنيسة الكاثوليكية الغربية- اعتماد (العقل) سبيلاً إلى (الإيمان)- فقد جاءت هذه النهضة الحضارية الغربية الحديثة امتداداً للموقف اليوناني القديم في الاعتماد على (العقل) وحده أداة للتفلسف والتأمل والتفكير.

تلك قسمة تميّزت بها الفلسفة والإبداع الفلسفي في الحضارة الغربية، منذ اليونان حتى عصرنا الحديث.. فالعقل وحده هو أداة الفلسفة والتفلسف. و(الوجدان.. والنقل) وحدهما السبيل إلى اليقين والإيمان!

وإذا كان هذا الموقف قد عرف طريقه إلى شريحة من شرائح تيار الفلسفة والتفلسف في التراث العربي الإسلامي، فإن القطاع الأعظم من تيار الفلسفة الإسلامية قد اتخذ من هذه القضية موقفاً متميزاً ومغايراً. فالتيار العقلاني في الحضارة العربية الإسلامية وفرسانه (المعتزلة) بخاصة، و(أهل العدل والتوحيد) بعامة، قد انطلقوا على درب التفلسف والإبداع الفلسفي، من (النقل) ، وصاغوا قبل ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية، وربما للمرة الأولى في تاريخ الفكر الفلسفي، صاغوا (علم الكلام الإسلامي)، فلسفة إسلامية مؤسسة على الوحي الإلهي، فيها تزامل (العقل) و(النقل)، واستطاعوا بهذه العقلانية الإسلامية المتميزة النهوض بمهمة مجادلة اللاهوتيين والفلاسفة من مختلف الملل الأخرى، ووظفوا- للمرة الأولى في التاريخ- سلاحاً بيد الدين.

صنع هذا التيار العقلاني قسمة العقلانية في الحضارة العربية الإسلامية.. لقد جعل المعتزلة (النظر العقلي) أول واجبات الإنسان، لأنه هو سبيل معرفة الله والإيمان به. إن اعتماد العقل وتقديمه حسب المعتزلة، ليس غضّاً من شأن (النقل) بل مؤازرة له، إنهم لم يقوموا بانفراد العقل بالمعرفة، وإنما اعتمدوه لمعرفة الأصول الدينية.

وهكذا، وعلى هذا النحو، وفي مواجهة كل (الثنائيات)، صاغ هذا التيار العقلاني القسمة العقلانية للحضارة العربية الإسلامية، فوازنوا بـ(الوسطية)- وجمعوا وألفوا بين ما يمكن جمعه وتأليفه من المتقابلات والأضداد.. في الوقت الذي كان أنصار منهج النقل فقط يعتبرون أن النصوص وحدها هي العلم، ويرفضون (التأويل) و(العقل) و(السببية). لقد كان هذا المنهج النصوصي يستقطب قطاعاً من (العامة) بحكم القصور الفكري الذي يقف بهم عند المحسوس، وظواهر النصوص، وبالتالي فإن هذا النهج شكل أرضية خصبة لرفض وتكفير أي رأي آخر لا يتفق معه.. وهذا ما جرى عندما حدث الانقلاب التركي المملوكي، وتعسكرت الدولة.. كان هؤلاء الترك المماليك عسكراً ضيقي الأفق، لا قدرة لهم على استيعاب هذه العقلانية الإسلامية، ثم هم كانوا بحاجة إلى تأييد (العامة) فيما اعتزموا من تغييرات، وما دخلوا فيه من صراعات مع التيار العقلاني. لكل ذلك أخذوا يزجون بأئمة التيار العقلاني في السجون، وأصبحت مقولات أي تيار عقلاني فكراً محرّماً ومجرماً يلاحقه الاضطهاد، إنه انقلاب واضح وجاد ضد التيارات العقلانية، فقد مُنع تدريس علم الكلام، وانصبت اللعنات عليها من على منابر المساجد.

لقد حدث ذلك رغم امتياز الحضارة الإسلامية السابقة بالتأكيد على أن الاجتهاد فرض كفاية، أي فريضة اجتماعية، وتأكيدها على أن اجتهاد المجتهد غير ملزم للمجتهدين الآخرين.

وعلى الذين تحيّرهم معرفة الأسباب والبدايات والملابسات التي أصابت إبداعنا الحضاري في الصميم بما عرف بـ (إغلاق باب الاجتهاد)، عليهم أن يمسكوا بخيوط هذا التحول، الذي أحدثه هذا الانقلاب، ففيه تكمن البداية، ومنه بدأ التراجع والجمود والتخلف والانكسار!

العدد 944 - 20/1/2021