دور البيئة والمثقف في عقلنة المجتمع

إبراهيم الحامد:

تلعب البيئة دوراً مهماً في تطبيع الفرد بسلوكيات وممارسات تفرز علاقات اجتماعية، خلاصتها تتبلور في إطار يسمى العقد الاجتماعي لتنظيم المجتمع، وباعتبار أن لكل بيئة نمطاً معيشياً معيّناً، فتبعاً لذلك يكسب الفرد ثقافةً وفكراً ينسجمان مع البيئة التي يعيش فيها. ولما كان كل فرد يتمتع بعقل ينمو ويتبلور وفق تلك الثقافة والفكر، هنا يقوم المثقف بإنتاج ثقافة معينة من خلال قراءته للواقع الذي يعيش فيه، ثم يقوم بعقلنة مجتمعه أو تدجينه وبما ينسجم مع منهله وميوله الثقافية والغاية منها.

لذا أرى أن النخبة الثقافية تنقسم إلى:

  1. نخبة ثقافية نفعية فردية. 
  2. نخبة ثقافية نفعية جمعية. 

أولاً_ النخبة الثقافية النفعية الفردية: ويمكن تقسيم هذه النخبة إلى فئتين: فئة أصولية، وفئة علمانية.

  1. الفئة الثقافية الأصولية النفعية الفردية: تنتج هذه الفئة ثقافة رجعية أصولية وسلفية تهدف للعودة بالإنسان إلى الماضي وتدجينه في خلايا اجتماعية، كالدين أو الطائفة أو القبيلة أو العشيرة، لما لها من تأثير روحي ومعنوي، ويقوم هذا النموذج من النخبة الثقافية بعقلنة ذهنية كل فرد في المجتمع وصقلها واستغلالها فيما يخدم منافعها المادية، لجمع ثروة اقتصادية تمكّنها من أن تعيش برفاهية مميزة في السكن والمأكل والملبس وامتلاك التكنولوجيا المتطورة، في الوقت الذي تعيش الفئة الاجتماعية المدجنة بإطار تلك الثقافة حالة ثقافة القطيع، الذي يسوده الفقر المقذع والجهل والخنوع، ويكون أفراده وقود الحروب والصراعات التي تحدث فيما بين تلك النخب والطغم المالية من أجل المصالح الفئوية الضيقة والفردية، لدرجة اقتناع تلك الفئة المدجنة بما تقوم به وتفتخر بما تقدم من تضحيات في خدمة تلك النخبة الثقافية الفردية النفعية، مثال على ذلك المجتمع الريفي الزراعي المحيط بالمدينة.

2-الفئة الثقافية النفعية الأصولية الجمعية: تنتج هذه الفئة ثقافة رجعية أصولية وسلفية تهدف للحفاظ على مجتمعها في إطار الماضي من العلاقات الاجتماعية التي تحافظ على وحدة المجتمع في إطاره الديني أو الطائفي أو العشائري والقبلي، ويمكن تسمية هذه الثقافة بالثقافة العقائدية أو الإيديولوجية للمجتمع الإقطاعي الذي يتميز بتماسكه ومتانة العلاقات الاجتماعية فيما بين أفراده، وما زال يعيش هذا المجتمع في ظروف ما قبل الحداثة، ويعيش نخبة هذا المجتمع وأفراده نمطاً معاشياً متقارباً، ينظمه عقد اجتماعي متفق عليه مثال على ذلك المجتمع البدوي والدولة الدينية.

ثانياً_ نخبة ثقافية علمانية (يسارية):

1-فئة نفعية انتهازية (ثقافة السلطة): هذه الفئة ملمة جيداً بالثقافة العلمانية تتصدر المجتمع عبر قراءتها للواقع الاجتماعي والاقتصادي وكشف التناقضات وطرحها لحلول عبر شعارات تتناغم مع طموحات المجتمع في التغيير نحو نمط معيشي أفضل، فتقوم تلك الفئة أو النخبة الثقافية بصقل ذهنية أفراد المجتمع، لتنسجم ورؤيتها (المقنعة) بالفكر القومي واستغلالها للدين، في التغيير نحو الأفضل بالظاهر، وبما يخدم مصالحها الضيقة المرسومة ما تحت القناع، مستخدمة الاحزاب (العلمانية) لتدجين المجتمع بالترغيب تارة وبالترهيب تارة وتكرس عبادة الفرد، لتتحول مع الوقت إلى فئة مستبدة دكتاتورية، ويعيش المجتمع في ظلها حالة القطيع الموعود بغد افضل، يمنع تحقيقه هو عدو المرتقب وحالة الحرب التي هم فيها (حسب قول المتربعين على السلطة) مثال ذلك الدولة القومية الدينية

  • فئة ثقافية نفعية جماعية علمانية يسارية: وكان المأمول منها أن تنحو باتجاه اليسار وتنتج ثقافة يسارية مهمتها عقلنة المجتمع الطبقي الكادح بالجهد والفكر لفهم مصالحه والسعي لتحقيقها والدفاع عنها للوصول إلى مجتمع خالٍ من الفروقات الطبقية، يسوده العدل الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة فيما بين أفراد المجتمع: من كلٍّ حسب جهده، ولكلٍّ حسب حاجته. إلا أن هذه الفئة انحرفت عن ذاك المسار ونحت باتجاه ثقافة كانت من شأنها أن أنتجت نخباً نرجسية وشخصيات كارزمية وكرست ذهنية عبادة الفرد لأفراد استداموا على رأس السلطات وهرم الأحزاب والمنظمات الشعبية حتى وفاتهم، وهذا ما أحدث القطيعة بين الثقافة اليسارية وجماهيرها، فباتت محط نقد دائم لدى النخب الثقافية المعادية للثقافة اليسارية وسرقت جماهيرها من خلال ثقافية استهلاكية، وبالتالي كانت سبباً في تراجع الأحزاب الشيوعية خاصة واليسارية عامة، والواقع المعاصر دليل على ذلك، وللتأكيد على تراجع قوى اليسار والثقافة اليسارية لابد من إجراء مقارنة بين النظرية والممارسة من خلال توضيح لماهية اليسار ومهمته.

ماهية اليسار: اليسار فكر إيديولوجي يحث ويحرض لحماية المضطهدين والمظلومين من البشر في الأرض على اختلاف ألوانهم وأعراقهم ولغاتهم ودياناتهم، وإزالة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ورفع ظلم أمة عن أمة أخرى. وبعيداً عن المعنى الحرفي للحزبية والسياسة، فإن الإنسان الذي يعتمد العلم والعلمانية في توجهه الذي يخدم البشرية دون تمييز هو يساري بالفطرة، لأن كل العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم الحديثة إضافة إلى التقنية المتطورة، هي من الكدح الفكري للإنسان الكادح الذي ساهم بها في تطور البشرية وتقدمها مثله مثل الكادح بالجهد العضلي في الإنتاج الزراعي والصناعي والبناء، وكذلك المثقف السياسي المناضل الذي يعمل لصقل ذهنية الإنسان ليعي حقوقه ويدافع عنها ويدرك واجباته اتجاه الآخرين ويقوم بها. كما أن اليسار اهتم بعلم الجمال كالغناء والموسيقا والفن والأدب والسينما والمسرح واعتبرها قضايا روحية للإنسان، على عكس المتدينين الذين اعتبروها فجوراً ومجوناً يلهيه عن ذكر المعبود والمقدسات الدينية.

يتجلى لنا مما تقدم، أن الثقافة اليسارية حتمية، ومستمرة في البحث والنضال من أجل غد أفضل، وهي تخاطب روح الإنسانية العطشى للعدل الاجتماعي والمساواة في التمتع بالجمال والحب والخير والحرية.

إن تراجع اليسار حزبياً وسياسياً، لا يعني موته، بل هو مستمر فكرياً وثقافياً وفلسفياً، ولقد تغلغل الكثير منه في الثقافة المحافظة والدينية، بل سرق منها دعاة الفكر المحافظ والديني وأدخلوها في نهجهم السياسي، لإغراء الجماهير الكادحة وإبعادها عن حواضنها الأساسية من الاحزاب اليسارية والشيوعية.  

تلك القوى الأصولية الماضوية حاربت، بضراوة، الفكر اليساري وأحزابه الشيوعية المتميزة بإنسانية فكرها، وعالميتها وأمميتها، في محاولة منها لتكريس فكرها ومقدساتها اللاهوتية غير آبهة بالمعذبين والمضطهدين من المجتمع البشري، وتحالفت معها في حربها تلك وما زالت، القوى العلمانية الرأسمالية والبرجوازية والليبرالية الجديدة، المستمرة في نهب وسرقة مقدرات الشعوب المضطهدة، وبمواجهتها نظرياً وتطبيقاً ميدانياً لكل ما يتصل بالنظام الاشتراكي والفكر الشيوعي، منهل الثقافة اليسارية، برأس حربتها البرجوازيةَ القومية المقنعة بـ(الاشتراكية) التي اغتنتْ من نهب وسرقة المال العام وباستغلال عرق الكادحين الذين خضعوا لاستغلال ممنهج ومقنّع لحقوقهم في العيش الكريم، لقاء شغلهم، وتعبهم، ورفع إنتاجية أوطانهم، ومجتمعاتهم، وإيداعها كأرصدة لهم في بنوك الدول الرأسمالية، التي سرعان ما تستولي عليها، بحجة محاربة الفساد وفرض العقوبات على كل من يتطاول على أسياده.

العدد 933 - 28/10/2020