الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات الأمريكية

د. صياح عزام:

بالقياس إلى أي تجربة أخرى منذ الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن في نهاية القرن الثامن عشر، لا يوجد مثيل للأداء الانتخابي للرئيس ترامب، المختلف بطباعه عن سابقيه أولاً، وثانياً، كل شيء مختلف في الأجواء السائدة والسيناريوهات المحتملة لما قد تصبح عليه الولايات المتحدة في المدى المنظور، بسبب مزاجيته وعنجهيته النادرتين.

حسب إجماع استطلاعات الرأي العام، فإن ترامب سيخسر بفداحة انتخابات 3 تشرين الثاني المقبل إذا ما أجريت الآن، غير أنه لا يعترف بالخسارة، ويرى أنها تنطوي على تدليس متعمّد من خصومه الديمقراطيين، ومراكز الاستطلاع، ووسائل الإعلام (حسب زعمه).

من المعروف أنه مع اقتراب الحسم الانتخابي في صناديق الاقتراع، يجري تأجيل أية قرارات كبرى أو تغييرات مفاجئة إلى ما بعد الاقتراع، لكن ترامب يخرق أية قواعد متعارفٍ عليها في السياسة العامة، يفعل كل شيء وأي شيء، ليكسب السباق الانتخابي في الأمتار الأخيرة منه.

من خلال اندفاعاته المتهورة، أنكر استطلاعات الرأي العام، لكنه استجاب لرسالتها، فأحدث تغييراً في فريقه الانتخابي، وهاجم إدارته الحالية، ملمّحاً إلى أنه قد يغيّرها بالكامل، ولديه يقين ما، يحاول نقله إلى أنصاره حتى لا يفقدوا حماسهم له.

هو سيكرر مع خصمه (جو بايدن) ما فعله مع هيلاري كلينتون التي كانت الاستطلاعات ترجح فوزها عليه. نجح ترامب في نقل هذا التصور إلى متابعي الانتخابات الأمريكية، فباتوا يتريثون في إصدار الأحكام، خوفاً من أن يفعلها ترامب ثانية في الأمتار الأخيرة.

خصمه (بايدن) على عكس صورة ترامب، فهو سياسي تقليدي، اكتسب خبرة في مجلس الشيوخ قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما، وهو رجل يتحرك في المناطق الرمادية، وليست متفلّتاً مثل ترامب اضطر إلى اختيار سيدة يسارية سوداء نائبةً له، في سابقة هي الأولى من نوعها، لحسابات انتخابية جرى اختيار كامالا هاريس، لعلها تساعد في تحسين صورته وتجلب له أصواتاً جديدة، على الرغم من أنها هاجمته بضراوة أثناء الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي.

وحسب استطلاعات الرأي، فإن الغالبية التي ستصوّت لبايدن ستصوّت له ليس إعجاباً حقيقياً به، بل بسبب كراهيتها لترامب، إذ إن 72٪ من الأمريكيين يرون أن بلادهم ليست على الطريق الصحيح.

ويمكن القول، حسب محللين سياسيين أمريكيين وأوربيين، إن انتخابات تشرين الثاني المقبلة هي استفتاء على ترامب وليس خياراً بين مرشحين اثنين.

قد يحاول بايدن ترميم التحالف الأمريكي القديم مع الحلفاء الغربيين، إلا أن هذا الأمر ليس سهلاً، بسبب التجريف الذي لحق بركائز النظام الدولي والتحولات باتجاه عالم جديد، ولأن موازين القوى الاستراتيجية والاقتصادية قد تبدلت إلى حد كبير.

– في الاستفتاء الدولي، إن صح التعبير، وبالمتابعة ودون اقتراع، هناك شبه إجماع بين النخب الدولية على رفض خيارات ترامب وسياساته واعتباراته لحقوق الأقليات العرقية والجاليات العربية والإسلامية وغيرها.

– وفي الاستفتاء الأمريكي هناك تراجع فادح في فرص ترامب، وذلك لعدة أسباب منها: إدارته الفاشلة لأزمة كورونا، والعنصرية المتجذرة في بلاده، وتراجع الاقتصاد الذي كان يراهن عليه كإنجاز أكبر له.

في الأمتار الأخيرة يصعب توقع ما قد يقدِم عليه ترامب، ولا التعهدات التي قد يقطعها على نفسه لاكتساب أصوات جديدة.. يمكن أن يفعل الشيء وعكسه، كأن يخوض حرباً ضد إيران بالنيابة، أو أن يسعى لاتفاق سلام معها في غضون شهر واحد بعد انتخابه، وأن يفعل الشيء نفسه مع كوريا الديمقراطية كما أعلن وصرح، كل شيء محتمل؟

أيضاً من السيناريوهات الممكنة أن يعمد ترامب إلى إرجاء الانتخابات بذريعة تفشي جائحة كورونا، أو خشية التزوير فيها (حسب ادعاءاته)، فقد قال: (أنا لا أريد تغيير التاريخ، لكن هذه الانتخابات ستكون الأكثر تزويراً في التاريخ)!

فهو يعتبر هزيمته تزويراً للتاريخ، وينظر إلى الموقع الرئاسي كحق حصري له.

إلى جانب ذلك لوّح ترامب باحتمال عدم قبوله نتائج التصويت.

هذا هو أسلوب ترامب قبل اللحظات الأخيرة من حلول الانتخابات، لعلّه يتمكن، كما يتوهم، من إرباك خصومه وتجديد ولايته الرئاسية على الرغم من استطلاعات الرأي العام التي ترجح فشله.

العدد 931 - 14/10/2020