تسليع الإنسان بلا غربنة!

د. أحمد ديركي:

يحكى كثيراً عن مفهوم (السوق) ونشوئه وتطوره وقوانينه، وكيف تغير هذا المفهوم مع تغير أنماط الإنتاج التي شهدها الإنسان منذ نشوء الحضارة الإنسانية، في بلاد ما بين النهرين، وصولاً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي بالمفهوم الماركسي. بينما يحاول البعض إثبات أن الرأسمالية، كنمط إنتاج، قائمة منذ تشكل المجتمعات البشرية وبداية (التبادل) ما بين أفراده عند ظهور (الفائض الأولي) عنه، ومن ثم ما بين المجتمعات. أي بعبارة أخرى، وفقاً لوجهة النظر هذه، لقد ظهرت (الرأسمالية) مع ظهور بذور التجارة بالمعنى التبادلي للسلع. وبهذا ما من (أنماط إنتاج) عرفها التاريخ البشري، والصحيح هو أن الإنسان يعرف (نمط إنتاج) بصيغة المفرد، نمط إنتاج رأسمالي.

وجلّ ما في الأمر أن هذا النمط الإنتاجي، مع التشديد على صيغة المفرد، وجد مع ظهور (التجارة) منذ ما يقرب 7000 سنة وما زال قائماً حتى تاريخه. لأن المجتمعات البشرية في حال ديناميكية دائمة ما يستلزم، أو يستوجب، تطورات تلحق بنمط الإنتاج ليتلاءم مع ديناميكية المجتمعات.

الفارق الأساسي ما بين (نمط الإنتاج الرأسمالي) السابق، أي منذ بزوغ (التبادل) في بلاد ما بين النهرين ومن ثم انتشر في انحاء العالم في الحضارات القديمة، والحالي، أي الغربي، يكمن في جوهره بمسألة واحدة ألا وهي (العقلانية)!!

لذا وفقاً لهؤلاء المفكرين ومتبعي هذه المدرسة الفكرية وما أكثرهم، والتي وضع أسسها ماكس فيبر، يتصف الغرب بـ(العقلانية)، الأمر جعله يصل إلى هذه المرحلة المتطور من (نمط الإنتاج الرأسمالي)، بالمفهوم الفيبيري، والشرق، وبقية العالم، تخلّف ويتخلف عن اللحاق بالغرب، ليس لأنه يتبع نمط إنتاج آخر، بل لأنه لا يملك (عقلانية) الغرب. و(العقلانية) مسألة ثقافية مجتمعية لا يمكن نقلها أو (تصديرها) إلى مكان آخر.

بعيداً عن الدخول في نقد هذه المدرسة الفكرية، نعود إلى السوق، لنتبين من بعض جوانبه مدى هشاشة البنية الفكرية لهذه المدرسة وأتباعها، مع لحظ أن اتباعها في الشرق أكثر منهم في الغرب!!

لم يكن الإنسان يوماً (سلعة) في السوق كما هو عليه اليوم، ومن يجيد قراءة التاريخ البشري يمكنه لحظ هذا، ولكن مع تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، بالمفهوم الماركسي لا الفيبيري، وتكريس التقسيم الطبقي وخيانة الطبقة البرجوازية للطبقة العاملة، ظهر السوق وكأنه (نظام مستقل) متحكم بذاته، وبدأت التنظيرات حول (أهمية) استقلال السوق عن كل ما يحيط به من بنى أخرى، سواء كانت اجتماعية أو سياسية على اعتبار أن للسوق قوانينه المستقلة الناظمة له. ومن آخر هذه التنظيرات تنظيرات (العولمة). فالسوق سيد نفسه، بمعنى ناظم لنفسه، وأيّ تدخل في تنظيمه يؤدي إلى خلل فيه. وهذا ما يمكن لحظه حتى في (أرقى) المنظمات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى في العالم، ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية و… المؤيدين لنظرية (اليد الخفية) والاقتصاد العالمي برمته خاضع لها، وبخاصة الدول التابعة وإن ادعت أنها خارج سيطرته أو خارج (العولمة) موهمة شعوبها بمسميات عقائدية أفرغتها من مضمونها!

(عولمة) سلّعت الإنسان تحت مسمى (توجه السوق)، فطورت قيماً وأعرافاً تخدم (مثالية) السوق. أي كي يكون الإنسان – السلعة (ناجحاً)، بالمفهوم الحالي للنجاح، في السوق عليه أن يكون متأقلماً وقابلاً للتنقل ولا منتمياً ومعدوم حسّ الذكاء، ليصبح إنساناً – سلعةً قابلة لـ(التبادل) وفقاً لقوانين السوق (Eric Fromm, Man For Himself).

نظام أخضع كل (القيم) الإنسانية لتصبح (قيم) سوق محولاً الإنسان من إنسان حر إلى إنسان – سلعة (تبادلية) وفقاً لـ(توجهات السوق). وما أكثر الأمثلة على هذا من التخصصات الجامعية وصولاً إلى (سوق العمل)!

فأهلاً وسهلاً بمنظّري (السوق) في بلادنا! ولكن أرجو منكم قبل البدء بالتنظير أن تجيدوا فهم مفهوم (العقلانية) في نمط الإنتاج الرأسمالي، كونكم فيبيريّي المدرسة، قبل الدعوة لتطبيقه، ولتخبرونا: بعد تسليعنا، متى سوف تستوردون مفهوم (العقلانية) إلى بلادنا كي نتغربن رأسمالياً، باعتبارنا رأسماليين منذ الأزل ولم نتغربن بعد؟!       

العدد 917 - 1/07/2020