التاريخ لا يسير بالمقلوب

عيسى وليم وطفة:

تقول الحكاية إن رجلا فقيراً وجد فأساً قديمةً من الحديد الصدئ، فذهب إلى الغابة ليقتطع بعضاً من الحطب ويبيعه حتى يشتري بثمنه طعاماً لأولاده. لكن الفأس كانت بحاجة إلى عصا (مقبض لفأسه الصدئ). أخذ يتوسل شجيرات الغابة ويطلب منها عصاً لفأسه، لم تقبل أيٌ من الأشجار الصغيرة أن تلبّي طلبه، فقد أحسّت بعفويتها أن العصا حين تتحد مع حديد الفأس ستشكّلان قوةً تعود بالخطر على الغابة، إلى أن وصل إلى شجرتي السنديان والبلّوط الشامختين في وسط الغابة، فهما أكبر الأشجار وأقواها، فتوّسل إليهما أن تمنحاه عصا لفأسه الضعيفة، فهو يريد أن يُطعم صغاره. رقّت شجرة السنديان لحالة الفقير وأمرت شجرة الصفصاف الضعيفة أن تعطي الرجل عصاً. بالفعل لبّت شجرة الصفصاف الأمر، فأخذ غصناً منها وضعه على قطعة الحديد الصدئة، وبدأ يقطع الشجيرات اليابسة وكانت الأشجار الصغيرة تراقبه بخوفٍ وحذرِ. وبعد أن أنهى عمله، ذهب إلى السوق وباع الأخشاب واشترى طعاماً، أكل وأطعم أولاده وزوجته. وبعد أن شبعت معدته، بدأ يفكر، فوجد أن قطع الأشجار سيكون مصدر رزق جيد له يستطيع من خلاله أن يعتاش ويجمع مالاً إضافياً. وهكذا كان كلّ يومٍ يشحذ فأسه ويذهب إلى الغابة، فيقطع المزيد من الأشجار ويضع الخطط لادخار المال، حتى صار هدفه أن يعيش في بيت كبير كالقصر بدل الكوخ. فمن إنسان فقير كان حلمه أن يطعم أولاده تحول إلى مجرمٍ جشعٍ لا يشبع، وأصبح لا رحمةً في قلبه ولا وازع من ضمير. إذ حوّل الفأس من أداة عمل لكسب قوت يومه إلى سلاحٍ فتّاكٍ في يده ضد الغابة، لم يكن جشعه ليتوقف عند حدّ. وحين فرغت الغابة من أشجارها وصارت خراباً كان الفأسُ قد وصل إلى شجرتي البلوط والسنديان وبدأ يدقُّ جذوعهما فاستفاقت شجرة السنديان ونظرت حولها بحسرةٍ، وهمست بأسى لشجرة البلوط: لقد كانت غلطتنا الأولى حين تنازلنا وأعطيناه العصا. (انتهت الحكاية).

نعم، إنها غلطةٌ كبّدت الغابة خسارةً كبيرةً، هو تنازلٌ قدّمته شجرةٌ كبيرةٌ بعطفٍ وحُسن نيّةٍ دون أن تأخذ بالحسبان مخاوف الشجيرات الصغيرة التي خسرت وجودها ثمناً لتلك الغلطة.

كذلك نحن البشر، على اختلاف أجناسنا وألواننا وأصولنا، ومنذ عهودٍ قديمةٍ، منذ بداية التنازل الأول للمتنّمرين علينا من أبناء جنسنا، دفعنا وما زلنا ندفع ثمن أخطاءٍ ارتُكبت بحقّ الإنسانية بالجملة والمفرّق. ما زلنا حتى اليوم تحت وطأة الاستبداد، لا نخرج من معركةٍ إلا وندخل معركةً أشدّ وأقسى. معاركُ ضد المرض ومعارك ضد الفقر والجوع وأخرى ضد الجهل والتخلّف … الخ، نصارع من أجل البقاء ونعمل من أجل حياة أفضل لأجيالنا القادمة، نبني وطواغيت الشر يدمّرون كلّ جميلٍ فينا كرمى لمصالحهم الذاتية وأنانيتهم المُفرطة بشهوة المال والسلطة. 

وكما هو الإرهاب اليوم عابر للحدود، الشركات الرأسمالية عابرةٌ للحدود، وحيتان المال تجوب الأرض طولاً وعرضاً تعيث بها خراباّ وفساداً، تشعلُ الحروب وتنهب خيرات الشعوب الضعيفة وأرزاقها ولا تكتفي ولا تشبع. كذلك إن فقراء الأرض وهم أكثر من 80% من أعداد البشر مدعوون للعبور خلف الحدود وتمزيق الخرائط السياسية وإزالة الحدود الاصطناعية، والاتحاد في وجه هذه الإمبريالية المتوحشة تحت شعار (يا فقراء الأرض اتحدوا). فاليوم يتجلّى أمامنا معنى وأهمية الشعار الثوري الذي أطلقته الماركسية: (يا عمّال العالم اتّحدوا!).

إن من يعمل اليوم لبناء جدران الفصل العنصري، كما في فلسطين المحتلة وكذلك جدران ترامب مع المكسيك، فهو لم يتعلّم الدرس بعد، ولا بدّ من الإطاحة به ومنعه من تمرير خططه. إن أنظمة الفصل العنصري كانت ومازالت عاراً على جبين الإنسانية.

إن المجتمعات البشرية خاضت حروباً بشعة لم تكن تخدم مصالحها العليا، وقدمت تضحيات كبيرة حتى أنهت وحشية الإقطاعية، وعانت طويلاً من جور البورجوازية وتعلّمت الدروس، وعاجلاً أم آجلاً فإن شعوب الأرض لن تقبل أن تبقى تحت وطأة الإمبريالية المتوحشة، ولن تعود إلى عصر الرقّ والعبودية فالتاريخ لا يسير بالمقلوب.

١٤ أيار ٢٠٢٠

العدد 917 - 1/07/2020