عيد الخير والجمال والحياة.. عيد المرأة العالمي

عباس حيروقة:

يحتفل العالم كل العالم في هذه الأيام، وبالتحديد في الثامن من هذا الشهر بمناسبة عيد المرأة العالمي، هذا اليوم الذي يعتبر تكريماً للمرأة وتقديراً لإنجازاتها على الصعد كافة السياسية والفكرية والاقتصادية. ودون الخوض في أسباب ومسببات تحديد هذا اليوم عيداً لها، يمكن أن أقول إن الحديث عن يوم المرأة العالمي في عيدها هذا هو حديث عن المرأة السورية الأولى والكبرى عشتار.

هو حديث عن ربّة الجمال والخصب والحب.

كل هذا وذاك تمثّل وتجسّد أمامنا في شخصية المرأة السورية، لا سيّما في السنوات العجاف الماضية من الحرب المدمرة التي طالت كل شيء من بشر وشجر وحجر.

المرأة السورية التي كانت أكثر المتضررين، بل وكأن الحرب كل الحرب قامت ضدّها، فهي الأم والابنة والحبيبة والزوجة والأخت، هي المشرّدة، الحاملة على منكبيها وعاتقها وزر عالمٍ قبيح يرفل بالفساد وبالخراب وبالتشوّه، عالم أفرز ما أفرزته أدواته الموغلة في الحقد والعفن من حرب جاءت لتحرق كل حقول قمح سورية، وتلوث بياض حقول القطن بعفن الكهوف وظلام الكهوف.

عالم ساءه شدوُ بلابل صبحٍ باذخ وأهازيج أطفال وزغاريد عرس هنا، ومواويل عاشقة هناك، فحشد ما حشده من قطعان ذئاب وكلاب مسعورة أطلقها في شوارعنا وحاراتنا، وعلى أسطح منازلنا رفع رايات موت محرّم في كل شرائع بني البشر.

المرأة السورية الموغلة في تاريخها الحضاري، تاريخ من النضال والصمود في وجه قوى الشر والحرب، لا سيّما المحتلّ، وتجسد ذلك عبر مراحل عدة آخرها إبان الاحتلال الفرنسي وما قامت به المرأة السورية من دور جنباً إلى جنب مع رجالات الثورة والتحرير آنذاك، وكما هو معروف، فإن أول مظاهرة نسائية قامت بها المرأة السورية كانت في وجه الاحتلال الفرنسي عام 1920، وتتابعت مقاومتها بشتى الطرق والوسائل حتى نيل الاستقلال. والمرأة السورية هي الأولى عربياً على الأقل التي مارست حياتها السياسية متنقلة في مختلف المهام والرتب، إلى أن وصلت إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.

وما هذه المرأة اليوم إلا ابنة وحفيدة تلك المرأة المقاومة، فمشت على خطاها في المقاومة ومحاربة الإرهاب الذي ضرب البلاد والعباد.

نعم، هي المرأة السورية التي حوّلت بأنامل روحها كل رصاص العالم ودوي قنابله وصواريخه وآلات حربه المجنزرة إلى موسيقا وأناشيد وأسراب فراش، فكنست بقايا سوادهم ووزعت على الشرفات وروداً وعصافير.

المرأة السورية التي وقفت بباب دارها مستقبلةً جثمان ولدها الرابع الشهيد ملوحة بمنديلها الأبيض مزغردة مطلقة صرختها المدوية قائلة: أصبح لديّ أربعة شهداء، وبقي ولدي الخامس وحيداً، وهو فدى سورية!

هي ذي المرأة السورية في عيدها.

المرأة التي أرضعتنا حليب الانتماء والوفاء لوطن كان وما زال وسيبقى الأسمى، فزفّتنا شهداء أولياء وقدّيسين!

إن الحديث عن المرأة في عيدها هو حديث عن الوجه الآخر والأهم لانتصاراتنا، انتصار سوريّتنا النور. ولا يتأتى هذا بشكله الجلي إلا حين ننتصر لها، لحقوقها، لحرّيتها، ولتعزيز موقعها وتكريسه في المجتمع.

في هذا اليوم علينا أن نطالب بتعديل كل دساتير العالم، لا سيما في دولنا دول العام الثالث والرابع والعاشر، للخروج بدستور يليق بها سيدة مجتمع لها ما لنا وعليها ما علينا.. المرأة التي حاصرتها الدساتير الوضعية منها والإلهية وجعلتها في غير موضع لا يليق بها كأم وأخت وزوجة.

نعم، معاً تجاه حرية حقيقية تعيشها أو يعيشها نصف المجتمع، الذي يحمل ويلد ويربّي النصف الثاني منه.

نعم، هو حديث عن الحب والجمال والخير والسلام، حديث عن النور والضوء والماء والخير كل الخير.

المرأة السورية هي ذاتها التي تطلق كل أسراب الفراش، العصافير، تجاه نبضنا، فتتركنا نجوماً وأفلاكاً وأقماراً ندور في مداراتها، نكتب القصائد لعلّنا نرقى ونرتقي بلغتنا قبالة بياضها الكثيف الكثيف.

العدد 938 - 02/12/2020