أمي قد تغادرني الليلة

رمضان إبراهيم :

قلتها ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار، بعد أن صمتت ولم يعد عقرب الثواني بقادر على الحركة. اغتصبت ابتسامة مرّة ونهضت ببطء بعد أن قرّرت استبدال البطارية لأعيد إليها تكتكتها، يعني لأعيدها إلى الحياة.

دون قصد مني سقط نظري على التقويم المعلّق بجانب الساعة، فقرأت على الورقة: العاشر من شباط.

قبل خمسين عاماً بالتمام والكمال شهقت شهقة الحياة الأولى، بعد أن تأخرت قليلاً فيها، كما روت لي والدتي.

يومذاك خافت أمي كثيراً، قبل أن تفقد وعيها لدقائق وهي تكابد أوجاع المخاض.

فجأةً استيقظت، وبدأت تلطم وجهها على حظها البائس، فمولودها الذي حملته تسعة أشهر مات لحظة ولادته.

 لكن العجوز التي أشرفت على ولادتها أخبرتها بأن ما يجري لا يخرج عن نطاق المألوف، وكي تضع حدّاً لمخاوف أمي أمسكتني من قدمَيّ وجعلتني أتدلّى، وهكذا شهقت شهقتي الأولى وبدأت بالبكاء، فيما كانت أمي ترفع يديها ابتهالاً وشكراً لله.

عدت ورمقت أمي المريضة، أحسست بأن الموت يحيط بها من كل جانب.

اقتربت منها، قبّلت وجهها المتعرّق.. تحسّست برودته.. أمسكت يدها وقبّلتها، ثم رفعتها ومسحت بها وجهي فيما ازداد التنفس بشكل واضح.

صديقي الذي بقي إلى جانبي طيلة محنتي أخبرني أن ما يجري لا ينذر إلا بشيءٍ واحد. قالها وخرج لأمرٍ ما.

 أمي المستلقية أضناها المرض، ولم تعد تقوى على الاستمرار في الحياة.

وكلما ازداد التنفس زاد خوفي وقلقي، مع أنني أعلم تماماً أنها تلفظ سويعات حياتها الأخيرة.

العاشر من شباط من كل عام، تحضر لي عائلتي قالب الحلوى وتستعدّ لاستقبالي فيما يسمّى عيد الميلاد.

أسندت رأسي على شجرة التين أمام المنزل، وكرّرت في نفسي ما قلته في الصباح: (أمي قد تغادرني الليلة!).

هل سيحدث ذلك حقّاً؟ يا إلهي! وفي يوم ميلادي؟!  أمي تعذّبت كثيراً وشارفت على الموت في ذاك الصباح البارد، عندما ولدتني، وها هي ذي اليوم تكابد سكرات الموت! قلت ذلك ونظرت إلى باب الغرفة حيث ترقد أمي.. خفتُ أكثر.. تمنّيت لو يتوقف الزمن كعقارب الساعة، ولكن دون فائدة.

العدد 931 - 14/10/2020