حول المراهقة الفكرية والنقد التاريخي

يونس صالح:

إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر التخصص الدقيق، فإزاء كمّ المعرفة وتنوعها، بازدياد أعداد الباحثين والكتّاب نتيجة لاتساع قاعدة التعليم وتنوع وسائل الإعلام، لا يستطيع باحث أيّاً كان أن يدّعي الإلمام بأطراف المعرفة التي كانت منذ قرون قليلة مدرجة في بضع مئات من الكتب. ونتيجة لكل ذلك وجب توفر كلٍّ من الباحثين والكتّاب على جانب من جوانب المعرفة، على أن يلم في الوقت نفسه من كل شيء بطرف حتى لا يكون التخصص مرادفاً للانغلاق.

والذي يدقق النظر إلى حقل التاريخ في بلادنا، وفي البلدان العربية الأخرى كذلك، يجد أنه لم يتخلص بعد من رواسب الماضي حين كان من يتصدون له لا يفرقون بينه وبين القصص والنوادر والطرائف، لا علماً له مناهجه ومقاييسه وأخلاقياته، مع عدم التورع في الوقت نفسه عن النقل عن السابقين دون تمحيص، أو الجري وراء الأهواء في الحكم على الأشخاص والأحداث، ما جعل بعض المهتمين في هذا الشأن أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر الذين عاصروا المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي يعتبرون التاريخ (من شغل البطالين.. وأساطير الأولين).

لقد تغير مفهوم التاريخ في القرنين الأخيرين: فلم يعد يقتصر على (البنية المعرفية) للمجتمعات، بل تعداها إلى الاهتمام بالجماهير العريضة والطبقات الاجتماعية والمؤسسات الجماهيرية، كما تطرقت إلى تفسيره نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وبالتالي ظهرت مدارس تاريخية عدة، وكل منها له مزاياه وأوجه قصوره. إذ لا يمكن لنظرية واحدة أن تفسر حركة التاريخ في مدّه وجزره. وإضافة إلى ذلك فإن التاريخ يختلف عن القصص والفنون التعبيرية الأخرى من حيث أن كاتبه لابد أن يلتزم بمنهج صارم في تحقيق المعلومات وضبطها والجري وراء الحقيقة بقدر الإمكان معتمداً على المادة المتاحة من محفوظات ومذكرات ووثائق ودوريات وغير ذلك. إضافة إلى جهد من سبقوه من العاملين في الحقل نفسه، فلا غرابة إذاً أن يتكشف التاريخ باستمرار عن حقائق وتفسيرات جديدة، شأنه في ذلك شأن غيره من العلوم. والمؤرخ بطبيعته جزء لا يتجزأ من مجتمعه، يتأثر باتجاهاته سلباً أو إيجاباً، وقد يؤثر فيه، ولهذا لا يمكن عزل المؤرخ عن الأوضاع العامة التي تحيط بالبلاد، مما يستحسن معه التوقف قليلاً لتأصيل الشوط الذي قطعناه منذ أن أخذ التاريخ يحتل مكانه في إطار الثقافة في بلادنا، التي كانت إلى عهد قريب موسوعية الطابع.

إن التطورات العاصفة التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين قد انعكست آثارها في شتى نواحي الحياة، نضال ضد السيطرة الأجنبية بأبعادها السياسية والثقافية والاقتصادية، وهناك أيضاً ملامح التحول الاجتماعي الذي زعزع الأوضاع التقليدية الموروثة، هذا إلى تنوع الأحزاب والفئات العقائدية وغير العقائدية، وما شهدته المنطقة من تغيرات دراماتيكية في مراكز السلطة، وكل ذلك كان مثاراً للبلبلة والخلط والتطرف في إبداء الأحكام وتوجيه الاتهامات، خاصة أن واقعنا الثقافي لم يشهد بعد قيام مؤسسات وهيئات نظامية بإمكانها أن تفتح المجال للنقاش الحر والمنضبط معاً، وأن نظمنا التعليمية لم تتعدَّ الجانب التلقيني ولم تهتم إلا في القليل النادر بإنماء الفكر وصقل المواهب، وهكذا أصيب كثير من الكتاب ومدعي النقد، صغارهم وكبارهم، بتضخم الشخصية وانغلاقها بحيث تحول كل منهم إلى جزيرة منعزلة، أو إن شئت إلى طاغية لا يتصور إلا نفسه في مرآة نرسيس! وأهم من هذا كله أن الكثيرين قد تصوروا أن التاريخ دابة ذلول يمكن توجيهها إلى هذا الاتجاه أو ذاك.. وهذا معناه الطمس والتزييف الصريحان أياً كانت الغاية التي يسعى الكاتب، ومن وراءه، إلى تحقيقها. إذ الغاية النزيهة لا يصح التوصل إليها إلا بوسيلة نزيهة، وهي قد تبرر الوسيلة في مجالات السياسة العامة، ولكنها لا تبررها على الإطلاق في مجال العلم، ويتصل بذلك أن انطلاقة القومية العربية في نصف القرن العشرين قد نقلت روح النضال إلى مجال الفكر والبحث التاريخي، وهذا أمر طبيعي إذا ما كان الهدف هو تعديل مسار التاريخي، بدحض كثير من الافتراءات التي ألصقت بالعرب والمسلمين. إلا أن الشطط في هذا الاتجاه من شأنه أن يخرج بالتاريخ عن أصوله وطبيعته ويجعل منه شيئاً آخر، وأن يفضي بصاحبه إلى الشوفينية البغيضة، وأن يطمس الحقائق بضباب التهويمات والتعميمات، خاصة إذا ما اقتحم المجال الدخلاء على الثقافة وأنصاف المتعلمين الذين لا يخاطبون العقل، بل يستثيرون النوازع السطحية التي لا تبني شيئاً، ومن أمثلة ما نحن بصدده ازدياد الاهتمام بالأبطال القوميين الذين لا شك لهم فضلهم، والارتفاع بهم إلى مستوى المقدسات التي لا تمس ولا تناقش- ومن ثم تتعالى الصيحات ضد كل مجتهد يبغي الحقيقة والموضوعية والنزاهة حين تتكشف له جوانب لا تتمشى مع الصورة العامة التي ترسبت في الأذهان عن هؤلاء الزعماء. من هذا المنطلق يتضح لنا أن كثيرين يفترضون في الزعماء العصمة المطلقة، متناسين أن الإنسان لا يولد عظيماً منذ اليوم الأول، وأن الزعماء ليسوا فصيلة خاصة من البشر، ولكنهم من قوة البنيان النفسي وحسن الإدراك بحيث يتميزون على من عداهم ويتقدمون الصفوف.

إن التخلف الفكري الذي أورثنا إياه طولُ عصور الركود والجمود قد جعل كثيرين منا يغفلون التطورات الاجتماعية التي تشترك فيها أعرض الجماهير، ويربطون كل شيء بالزعيم الفرد، حياً كان أو ميتاً، ويفترضون أنه هو المرجع الأول والأخير لما يحدث في أيامه، دون كبير التفات إلى القوى العالمية والمحلية التي تفعل فعلها.

ويجدر بنا أن نؤكد أننا بحاجة إلى النظرة النقدية التي تعرض للتاريخ في إطار الطبيعة البشرية، لا في إطار الخوارق والمعجزات، وما أحوجنا أيضاً إلى التخلص من النرجسية القومية التي أورثنا إياها طول الظلم، ولنفتح صدورنا وعقولنا لكل جديد حتى ولو كان لا يتفق مع مألوفنا، فإذا لم نرضَ عنه فعلينا أن نتقبل الحقائق كما هي عليه، أو أن نثبت العكس بالتوفر على الدراسة الجادة، لا بالصياح العصبي الذي لن يفيدنا في شيء.

وفي هذا السياق، لابد من التطرق إلى ظاهرة المراهقة الفكرية فيما يتعلق بمسألة النقد وتقبله، فهناك كثير من الأعمال النقدية تجاه بعض المؤرخين لا تتوخى الموضوعية، ولا تتصدى إلا للهفوات التي يرتكبها هذا المؤرخ أو ذاك، وعلى الجانب الآخر هناك البعض الذي ينظر إلى النقد على أنه إهانة شخصية، ويستشيط غضباً متخذاً موقفاً انفعالياً تجاه من قام بعملية النقد.

إن كل ذلك يستدعي التنبيه إلى أن النقد هو ذاته له أصول، فلا يفترض لمن يتصدى له أن يهاجم بلا حدود أو يلتقط الهفوات، بل لا بد له أن يبرز الإيجابيات قبل السلبيات، وأن يكون متخصصاً في المجال الذي يتصدى لتقويمه، لا أن يكون متفرغاً للنقد لا أكثر.

إن ندرة النقد والتقويم الموضوعيين، وغلبة ما يسمى (عرض الكتب) وهو في أكثره مجرد تلخيص للعمل المرجو تقديمه، قد لا يخلو من التحامل أو المجاملة وتلوين كل شيء، إما باللون الأبيض، أو الأسود بحسب الظروف، قد جعل الكتاب لا يتقبلون المناقشة العلمية التي من شأنها أن تفتح المجال لمزيد من البحث وتؤدي إلى صقل المعلومات وضبطها.

أما الجري وراء النوازع والأهواء، وتحكيم العلاقات الشخصية فيما يُطلق عليه اعتباطاً صفة (النقد) فإنه لا يؤهل شيئاً، بل من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الخلط والبلبلة والمعارك الشخصية، لا المحاورات المنهجية التي توفر مؤشرات هامة إلى مواضيع جديدة للبحث والدراسة.

لقد تعدى مفهوم التاريخ وصف المعارك الحربية والعلاقات الدبلوماسية ومؤتمرات القصور، إلى رصد القوى الاجتماعية والتفاعلات المفضية إلى التغيير، ولكنه لا يستند إلى الحدث أو الاستنباط العشوائي، فالمؤرخ الحق، هو الذي يوجه كل جمهوره إلى (تحري الحقيقة) مجرداً من كل غاية ومنفعة، وغير مقيد بأية فكرة سابقة، وما عدا ذلك لا يعدو (خطابة محام بارع) يحصر كل جمهوره في البحث عن الحجج المؤيدة للقضية التي تولى الدفاع عنها سلفاً، وهو يشبه في طبيعة رسالته أن يكون قاضياً، يفصل في القضايا التاريخية التي يعرض لها، وعليه أن يقتبس من (القاضي) روح العدل الذي يستلهمه في قضائه.

وأيا كان الخلاف في نظريات تفسير التاريخ، فإنه ثمة حداً أدنى لا يجوز للمؤرخ أن يتجاوزه، قد يفسر الحدث التاريخي على ضوء هذا المذهب أو ذاك، ولكن يجب ألا تمتد يد أي إنسان إلى التاريخ بالبتر أو التزييف أو التركيز على أنصاف الحقائق، وبالتالي عليه أن يتحلى بالنزاهة والصدق، إذ إن عمله يتضمن مسؤولية كبيرة يحاسب عليها في حياته، وقد يحاسب عليها بعد رحيله من عالم الأحياء. ولكي يجري المؤرخ وراء الحقيقة عليه أن يتسلح بالأدوات التي تعينه على تحقيق هدفه. فهناك الوثائق والمخطوطات مثلاً، وهي مصدر رئيسي لا يشكك جاهل في أنه الركيزة الأساسية للحكم التاريخي. وإلا فهل ثمة وحي ينزل على المؤرخ ويقص عليه أخبار المؤامرات والدسائس ونصوص القراءات التي تتمخض عن الحدث التاريخي؟ وإلى جانب هذه الأدوات هناك عقلية المؤرخ الذي يحلل ويربط، ومعنى التحليل ليس الجري وراء أنماط من التهويمات والغيبيات، بل التفكير المنطقي الذي يربط الأحداث بعضها ببعض، ويعيد تركيب تسلسلها، ويربط بين السبب والنتيجة، في إطار التسلسل الزمني للأحداث الذي يميز التاريخ عن غيره من العلوم، ويتصل بهذا كله أن النقد والتقويم التاريخيين لا يصح أن يتصدى لهما إلا مؤرخ له إنتاجه المعروف، فلا يدرك الشيء إلا من يكابده. ولابد من تحرير التاريخ مما علق بأذهان الكثيرين من أنه نوع من القصص، إذ إنه يتطلب، إلى جانب الموهبة، خبرات واطلاعات وإدراكاً لطبيعة هذا التخصص المتشعب، وبخاصة في مجالاته الحديثة والمعاصرة. ولا يقوم الإنتاج ويغذيه إلا نقدٌ ملتزم بنّاء، هدفه، كما هو هدف التاريخ ذاته وسائر العلوم، البحث عن الحقيقة لذاتها. هنا وهنا فقط نستفيد من التاريخ في فهم مسار تطورنا وتوجهه دون رجم بالغيب (إذ المستقبل لا يدخل في نطاق التاريخ الذي لا يتوفر إلا على الماضي. وبإلقاء الضوء عليه يمهد السبيل لتحديد مسار المستقبل، وهو مجال تخصّص آخر).

إن النقد البنّاء هو مصباح ديوجينيس، فقد أختلف معك، ولكني على استعداد لبذل كل ما في وسعي للدفاع عن حريتك.

 

العدد 890 - 11/12/2019