المطلوب سياسات اقتصادية متوازنة

كتب المحرر الاقتصادي:

من يشكك فيما تسبّبت به الرأسمالية من مآسٍ ونكبات لشعوب العالم، وخاصة بعد الانهيار الكبير في 15/9/،2008 عليه مراجعة مظاهر الفقر والجوع التي ظهرت بشكل يومي ليس في دول الجنوب فحسب، بل في عقر دار الرأسمالية الأمريكية.

فقد دعت إدارة أوباما مواطنيها آنذاك إلى التطوع بهدف المساعدة في تقديم الطعام لجيرانهم، مشيرة إلى أن حوالي 15 % من الأسر في البلاد واجهت صعوبة في الحصول على ما يكفي من الطعام بعد الانهيار الكبير، وذكرت وزارة الزراعة وهي تكشف النقاب عن المبادرة الجديدة لإدارة الرئيس أوباما (أطعم جارك): إن كل أمريكي يمكنه أن يسهم في مكافحة الجوع.

هذا ما جلبته الليبرالية الاقتصادية الجديدة للشعب الأمريكي، وهذا ما ستجلبه حكومات بلدان أخرى لشعوبها إذا ما استمرت باتباع (بوم) الخراب النيوليبرالي.

لذلك طالبنا، وما زلنا نطالب بتطبيق سياسات اقتصادية متوازنة تجمع بين التعددية الاقتصادية، وجذب القطاع الخاص المنتج للمساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني وتحديثه، واستمرار الدولة في أداء دورها الاجتماعي عبر دعم الفئات الفقيرة والمتوسطة، وتجفيف بؤر الفقر.

لسنا بحاجة، حتى الآن، إلى القيام بمبادرة مماثلة لمبادرة الرئيس أوباما، رغم ارتفاع عدد الفقراء، وتزايد الصعوبات المعيشية التي يعانيها العاملون بأجر، والمتقاعدون، وصغار الكسبة، خاصة بعد الحصار الاقتصادي وحزمة العقوبات الأمريكية والغربية، وبعد أزمة مركبة، وغزو إرهابي شرس، بل نحن بحاجة إلى مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تفعيل النشاط الاقتصادي بقطاعاته المختلفة، وخاصة الصناعة والزراعة، وعودة الدولة إلى دعم الفئات الشعبية، وإعادة النظر بالنهج الاقتصادي الحالي الذي يهمش مصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة. ونرى أن تتركز جهود الحكومة في المرحلة الراهنة على تحقيق الأهداف التالية:

1 – تحسين الأوضاع المعيشية للسكان عبر مجموعة من الإجراءات، كزيادة الأجور، وربطها بالأسعار، وتوفير فرص عمل ضمن استثمارات حكومية جديدة ومدروسة في قطاعها الصناعي والإنشائي، خاصة ونحن نستعد لمرحلة إعادة الإعمار، وعدم انتظار فرص العمل المقدمة من القطاع الخاص.

2 – توجيه الاستثمارات الخاصة نحو القطاعات الاقتصادية المنتجة في الصناعة والزراعة، ولو تطلّب الأمر زيادة الحوافز الممنوحة للمستثمرين، وإقامة مشاريع صناعية وزراعية مشتركة مع القطاع الخاص.

3 – زيادة الدعم لقطاع الزراعة، وهو النشاط الرئيسي لغالبية السكان، وتخليص المزارعين من منغّصات وأزمات أصبحت معروفة للجميع، كتأمين مستلزمات الزراعة من المازوت المخصص لري المحاصيل، والبذار والأسمدة، من مؤسسات الدولة المختصة وبأسعار مدعومة.

4- زيادة الإيرادات العامة عن طريق تعديل قوانين الضريبة باتجاه تخفيض الضرائب والرسوم غير المباشرة، ورفع معدلات الضرائب المباشرة، وبخاصة على الأرباح والريوع، ومكافحة التهرب الضريبي،

وعودة الدولة إلى ميدان الاقتصاد ليس من باب المراقبة والإشراف فقط، بل من الباب الأوسع، وهو المساهمة الفاعلة في الإنتاج عن طريق قطاعها الصناعي العام، الذي يمكنه زيادة حجم الفوائض الاقتصادية إذا ما عمدنا إلى إصلاحه وتخليصه من أزماته، لا بيع أصوله أو استثمارها في المشاريع السياحية كما يخطَّط لبعض الشركات الصناعية الخاسرة.

إن الاستمرار في تجاهل الأوضاع الصعبة للفئات الفقيرة والمتوسطة، والإصرار على تحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد للنخبة.. للقطع الكبيرة، سيؤدي إلى تفاوت أكبر بين الفئات الاجتماعية، وعندئذٍ لن تنفع مبادرات مماثلة لمبادرة الرئيس الأمريكي (أطعم جارك) لسبب بسيط هو أن الجار سيصبح بحاجة إلى من يطعمه!

العدد 917 - 1/07/2020