مسرحية »كيميا« للدكتور عجاج سليم: الحب هو الحل الوحيد لكل المشكلات

أحمد عساف:

انتهت مؤخراً عروض مسرحية (كيميا) على مسرح الحمراء بدمشق. هذا العرض المسرحي، بتوقيع المخرج الدكتور عجاج سليم، يدخل ضمن الأعمال المسرحية الهامة التي قدمت في عام ،2019 موزعة بين مسرح الحمراء ومسرح القباني ودار الأوبرا. عرض (كيميا) جرى إعداده عن المسرحية الروسية (مجالات مغناطيسية) للكاتب الروسًي (ألكسندر أوبرازتسوف).

منذ الكيميا التي اختارها عجاج سليم مخرجاً ومعدّا لعرضه المسرحي هذا سنكون أمام حالة، لتجميل العنوان. من حيث أن العنوان (مجالات مغناطيسية)، هو أقرب للعنوان العلمي أكثر منه لطقس مسرحي وإبداعي وروحي، كما سنكتشفه من خلال متابعتنا لهذا العرض المسرحي اللافت. في هذا العرض المسرحي سنكتشف عدة حالات واشتغالات تبدأ من إعداد النص إلى الحوار إلى الصيغة التي تم فيها إحداث معالجات وإسقاطات مرت على البلد. لم يكن ينقصه شيء سوى الحب. المتر المربع الذي لو حدث على الواقع قبل الحرب على سورية كـ: (كيميا) حقيقة لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. يقول مخرج العمل ومعده الدكتور عجاج سليم – في كلمته على (بروشور المسرحية): الحب يحرر الإرادة، يصنع المعجزات، يلون الحياة، يعطي الحياة معاني متجددة، الحب بمفهومه الكوني حاجة إنسانية عليا، ولنا نحن_ السوريين_ ربما يكون خشبة خلاص، ومن يملك حلاً آخر لمشاكلنا يحمل قوة الحب وسحر الحب فليتفضل به).

ثمة رجل عاد يتأبط رغيف أيام عائلته، وعلى كتفه يحمل كيساً صغيراً من الخيش المنسوج من تعب الحياة ووجع الأيام، يضع فيه قليلاً من البرغل والعدس. في الساحة ومصادفة وعلى بعد أمتار يلتقيها، وهي في طريقها للذهاب إلى زواجها، وهو في ذهابه إلى بيته حيث زوجته في انتظاره. على رقعة قريبة تحدث مصادفة علمية تكمن في ذلك المس من الانجذاب اللاإرادي بين (نور_ زامل الزامل)، والعروس (ضياء_ علا سعيد). من هنا تبدأ الشرارة الأولى لقوة الجذب ولبدء الدخول إلى عمق هذه المسرحية. حيث تتكون حالة مغناطيسية تندغم بالوجدان واللاشعور، قوة جذب أكبر من أن يستطيعان التخلص منها بالشعور واللاشعور، ثمة جاذبية مغناطيسية كبيرة تشدّهما أحدهما للآخر. سنجد في مسرحية (كيميا) شخصية (المتسكع_ مأمون الفرخ)، الذي يبدأ مع إلقائه لقصائد الشاعر محمود درويش معظم ظهوره على المسرح، سنجد أن المخرج قام بتوظيف قصائد محمود درويش مع ما يتماهي ويساهم في تقريب الحدث المسرحي إلى المتلقي. تستمر قوة الجذب بين العاشقين المرغمين على الخضوع لشرط الحالة المغناطيسية لتلك الكيميا التي تجبرهما على عدم الابتعاد عن أمتار سطوتها. فالخطيبة لا تذهب إلى موعد حفلة زفافها، والزوج لا يذهب إلى زوجته التي تنتظره.

تتعالى وتيرة أحداث المسرحية مع وصول والدة العروس (سلوى حنا) ووالد العروس (وليد الدبس) والعريس (طارق نخلة)، إلى خشبة المسرح، حيث يحاولون أخذ العروس لحفل الزفاف وإبعاد الرجل المتزوج عن طريقها، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، أمام مفارقات عديدة غرائبية لا يستطيع أحد الفكاك من سطوة الكيمياء على العروس والزوج، حتى في قدوم زوجته (نجاح مختار) التي حاولت بكل السبل استرداد زوجها والعودة به إلى منزلهما، وتكاد تجن حين تكتشف حكاية التصاقه بالعروس الذاهبة لعرسها، لكنها أبت أن تفعل أي شيء سوى الحفاظ على حبه، وعلى تلك الشيفرة في الالتصاق الموازي لحب سينتصر لذاته في النهاية. إعداد العرض مشغول بعناية فائقة حتى في تسليطه الضوء على الشخصيات الثانوية فيه مثل ممرض العصفورية (فادي حموي) ورجل البوليس (سليمان قطان). في إطار البيان العام للعرض سنجد أن الاشتغالات على الديكور قد تركزت مع الإضاءة على خلفية المسرح، حيث الستائر التي تظهر من خلفها بعض الشخصيات وبعض المشاهد. أما على الخشبة فنحن لم نكن أمام ديكور فيه ترف أو ما شابه ذلك، على الرغم من عدم انحيازه لديكور المسرح الفقير، ثمة مقعد في ركن قصي في الساحة وإشارة مرور. سنجد الجزء الأكبر من الديكور كان في خلفية المسرح، حيث يتم استكمال الكثير من المشاهد ومن الحوارات وتحركات الممثلين من خلف تلك الستائر، وهو اشتغال اعتمده الدكتور عجاج سليم ليكون المحور الأساس في (سينوغرافيا) عرضه المسرحي (كيميا). سنجد ثمة دلالات انبثقت من هناك لتكون شرطاً جميلاً يقدم حلولاً لأسئلة تهم مشاهد العرض المسرحي. ولعلّه تعمّد إبقاء إشارة المرور متوقفة عند أحمرها. والمقعد ثابت في مكانه طوال العرض. وإن استخدم ضمن سياق العرض. لعل مشهد المتسكع في نومه عليه حيث اعتبره مأوى له في الزمن الذي لا مأوى له فيه. وإشارة المرور المتوقفة لها ترميزها وبعدها الدلالي كحالة مرهونة في السعي لمشاركة المتلقي في أحداث المسرحية. مسرحية (كيميا) من إعداد وإخراج الدكتور عجاج سليم. المسرحية معدة عن النص الروسي: (مجالات) لـ ألكسندر أوبرازتسوف. جميع الممثلين تألقوا وقدموا لنا عرضاً مسرحياً شيّقاً ومهماً على كل الأصعدة.

تحية محبة لكل فريق العمل في مسرحية (كيميا).

 

العدد 895 - 22/1/2020