على هامش ملتقى قصيدة النثر

عباس حيروقة: 

بمناسبة العيد الذهبي لتأسيس اتحادنا – اتحاد الكتاب العرب في سورية، أقامت مؤخراً جمعية الشعر، بالتعاون مع مديرية الثقافة في طرطوس ونقابة المهندسين، ملتقى (قصيدة النثر) وذلك يومي 21-22 تموز 2019 بدأت بجلسة مسائية نقدية شارك فيها العديد من الكتاب والنقاد والباحثين، وفي اليوم الثاني قدم العديد من الشعراء نصوصهم التي تنتمي إلى (قصيدة النثر) في جلستين صباحية ومسائية.

لن أقدم قراءة لتلك الندوة النقدية ولا لتلك النصوص التي قدمت، ولكن كل هذا وذاك قادني لطرح المزيد من أسئلة الشعر، أسئلة (قصيدة النثر)، أسئلة النقد، أسئلة الثقافة.

منذ مطلع التسعينيات كنا نطرح وننادي ونطالب بعدم التعصب لأي شكل أو لون شعري، وأن يكون المعيار الوحيد لجودة النص هو الشعرية، أو المنسوب الشعري في النص المقدم، بغض النظر عن أي لبوس جاء به، (نثر – تفعيلة – عمود). كما كنا نستهجن وندين ونفند تلك الصيحات التي تتهم كتاب قصيدة النثر بأنهم عملاء للغرب، وبأنهم وُظِّفوا لتخريب ثقافتنا وموروثنا الشعري و..الخ من اتهامات تعكس جهلاً بيّناً في بنية ثقافتنا العربية.

كما كنا من جهة أخرى نرفض تلك الشعارات التي يرفعها بعض كتاب قصيدة النثر، مثل: قصيدة العمود وحتى التفعيلة استنفدت أدواتها وأصابها ما أصابها من ترهل ووهن وأمراض، وهي في طريقها إلى موات محتّم، وبالتالي ليس من منقذ للشعر إلا قصيدة النثر وكتابها، وأنها هي الديوان العرب الجديد والحقيقي …الخ.

كما أننا كنا نرفض أيضاً اختراع وابتداع المصطلحات والمقولات والعمل على تسويقها ومحاولة فرضها على أنها مسلمات مثل (الإيقاع الداخلي – الموسيقا الداخلية …) وتبنّي ما جاءت به سوزان برنار بحرفيته في كتابها (قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا هذا).

وبالعودة إلى كل ما كُتب في قصيدة النثر أو حولها، من قبل أدباء وشعراء عرب من بلدان عربية شتى، ومحاولة بعضهم وضع تعريف قاطع مانع لمفهوم الموسيقا الداخلية، أرى أنهم لم ينجحوا في وضع التعريف الخاص بقصيدة النثر دون سواها. وما تم تعريفه على أنه الموسيقا الداخلية نراه قد ينطبق على قصيدة التفعيلة والعمود، بل ينطبق على حتى القصة القصيرة والرواية.

وفي هذه المناسبة يمكننا أن نقول إن النقد والإشارة بالبنان يجب أن يكون تجاه التشوه الذي أصاب بنية (قصيدة النثر) ومعناها (معنى ومبنى) على أيدي أصحاب التجارب الهشة الواهنة، أولئك الذين استسهلوا كتابتها فتطاولوا عليها وألحقوا بها ما ألحقوه من تشوه ونفور وهم في الحقيقة لم يشوهوا إلا أنفسهم. ولكن حقيقة الأمر أن هذا التطاول والتطفل من قبل أصحاب التجارب الهشة شكل ردّات فعل غير حسنة تجاه قصيدة النثر من القراء الحقيقيين.

هذا الاستسهال دفع كل من هب ودب إلى ممارسة كتابتها، وهذا كله جاء بسبب جهلهم بحقيقة هذه القصيدة الباذخة وجهلهم بقواعد كتابتها.

هؤلاء للأسف يريدون أن يحصلوا على لقب (شاعر) بأية طريقة كانت، فلم يجدوا طريقة أسهل من ذلك، وبحسب ثقافتهم فإن القصيدة وكتابتها تكون بنثر تلك الكلمات أو توزيعها في كل سطر إلى جانب نقاط وعلامات ترقيم، فيخرجون بقصيدة بل بقصائد تنشر هنا وهناك وفي صحف ومجلات، بل في مجموعات شعرية أيضاً.

نعم، هؤلاء يتكاثرون بالانشطار لدرجة أنهم باتوا يشكلون ظاهرة عامة تمتد وتمتد. وللأسف، باتت المنابر مطية لهم والأسباب كثيرة، أقلّها أن معيارية النشر والطباعة تغيرت و لم تعد الجودة والفنية هي الأساس، بل ثمة معايير أخرى باتت معروفة وسالكوها كثر.

ولن أتحدث عما يُنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وأيضاً لن أتحدث عن الكثير مما ينشر في أهم صحفنا ودورياتنا المختصة، ولن أعددها هنا لأن الأمر لا يحتاج إلى كشفها، فهي في متناول أيدينا.

ولكن، بالعودة إلى ملتقانا ملتقى (قصيدة النثر) الذي أقامته جمعية الشعر، أرى أن بعض ما قُدّم من على منبرها -منبر مديرية الثقافة في طرطوس يوم ذاك يمثل ما ذهبنا إليه من وهن وضعف وهشاشة، وللأسف جاء هذا على لسان زملاء لنا وأعضاء في اتحادنا – في جمعية الشعر.

كل هذا يعكس أشياء وأشياء أقلها ما يمكن قوله: إنهم يجهلون ماهية الشعر الحقيقي، وثمة خلط أو فهم خاطئ لديهم للشعر، وإلا ما مبرر مثلاً وجود قافية ما على طول القصيدة ما دمنا نكتب قصيدة النثر؟! إذ يتحول النص إلى سجع أشبه بسجع الكهان، وخاصة حين يتخلله وزن هنا ووزن مغاير هناك، فتحار هل أنت أمام شعر مكسور أم شعر منثور، أم سجع، أم ماذا؟! لا سيما إذا عرفت أن من يقدم هذه القصيدة أو تلك غير ملمّ ولا واعي لمفهوم الوزن والتفعيلة، فيتأكد لك أن تلك الجمل المتناثرة هنا وهناك في نصّه ساهمت بإرباكات فجة للكاتب وللمتلقي معاً، وفي نصوص بعض ما قدم جاءت من المباشرة أقرب إلى الخاطرة منها إلى الشعر.

ومن جهة أخرى جاءت نصوص بعض الزملاء الشعراء مترفة باذخة تمثل الوجه الحقيقي لقصيدة النثر الحقيقية معنىً ومبنىً.

العدد 873 - 07/08/2019