الاختلاف والتنوع سنة كونية الاختلاف والتنوع سنة كونية
يونس صالح:
لقد بيّن المفكرون منذ القدم التناقض والاختلاف، وأنه أصل، فالطبيعة قائمة على الأضداد، بدءاً من الحياة في الجسد وحركتها الدائبة بين التنفس وعدمه.
إن الحركة والسكون لا يمكن أن ينفرد أحدهما بتقديم الحياة، ومن ذلك امتدت سلسلة الأضداد، بدءاً من الليل والنهار، وعيش الإنسان داخل متناقضين: مكان ثابت نسبياً، وزمن متحرك، وتتوالى في الطبيعة ثنائية الأضداد، ومنها يكون الانسجام، ذكر وأنثى، يتحقق التكامل البناء بينهما بفضل اختلافهما. وفي المادة يتحقق المزج بين ألوان الطيف السبعة، فتتوالد من هذه الأطياف المختلفة ألوان وألوان تحمل الجدة والجمال.
إن العالم تحكمه هذه المعاني الكبرى، وهي تتمايز بعضها عن بعضها الآخر، لأنها تتعارض وتتناقض، بل إنها تكاد لا تحيا إلا إذا تناقضت: فلا وجود للصدق إلا إذا ما تعارض مع الكذب، ولا وجود للقوة إلا إذا تعارضت مع الضعف، وينهض التقدم على أساس رفض التخلف.
وعلى مستوى السلوك تبرز فكرة التوافق والتأثير المتبادل، فتتحقق فكرة الوسط الذهبي الذي قال به القدماء، فالشجاعة وسط الجبن والتهور، والكرم بين البخل والتبذير. إن كل فضيلة تنيرها نقيضتها، ولا تتميز بقوة إلا من خلال إدراك هذا النقيض.
لقد كان كشف النواقص أصلاً من أصول الفهم والتفكير الناضج، بلورها الفيلسوف هيغل، وجعلها أساساً لفلسفته القائمة على الجدلية القائمة بالقضية ونقيضها ومركب القضية.
وفي موضوعنا هذا نقول: الرأي ونقيضه وينشأ منهما معاً الرأي الثالث، وهكذا تعود السلسلة مرة أخرى لتواصل دورتها القائمة على هذا التقابل الثنائي.. وهكذا هي دورة الحياة. كيف نقبل، ونسلم بهذا الحكم الطبيعي، فإذا جئنا إلى العلاقة الإنسانية كان التشبث بالوحدة الواحدة هو المربط الذي يتشنج عنده المتشنجون.
أليس من الواجب أن يكون مرتكز الحقائق الوحيد الذي يحسن الاتفاق عليه البشر هو أن الاختلاف أصل في الوجود. لن يستطيع أحد أن يقضي عليه، ولكن الفعل الوحيد الممكن هو العمل على تقليصه وإزالة الشوائب منه وتوسيع مساحات التقارب بالتسليم الابتدائي به، والابتعاد عن الإخضاع القهري بين المتخالفين.
إن الوعي الناضج يؤكد أن الأصل هو الاختلاف ويثني في تأكيده على أنك لا يمكن أن تخضع الآخرين، بل ليس من حق أحد أن يقدم العداء والقهر، لا فعلاً ولا قولاً ولا مضمراً في النفس، ومن يفعل هذا فإنه سيقع في الخطأ.
إن من يضع قفلاً على قلبه، فيعجز عن مدّ مساحة التسامح، والتسليم بطبيعة الاختلاف الأزلية، مهما كانت درجته، حتى لو أن المخالف يقف عند حافة التناقض تماماً، إنما هو يحكم على نفسه بالنبذ أولاً، والكراهية ثانية، والحرمان من أي إبداع أو فكرة إيجابية يكتسبها البشر أينما كانوا ومهما كان اختلافهم الفكري والأيديولوجي.
إن الواقف ضد فهم عناصر الاختلاف، ثم قبولها، إنما يعاند سنة كونية كانت معلومة ومكتشفة، وتم التعامل معها منذ القدم، فالحاجة ماسة إلى تبين الحقائق البارزة، ومن ثم الاعتراف بها باعتبارها أمراً ثابتاً لا يمكن تغييره أو القضاء عليه.. فالآخرون مختلفون عنك كما أنك مختلف بالنسبة لهم، فما سلّم به عقلك أو قبلته نفسك، هو ذاته بالقيمة والثبات نفسيهما عند الآخرين عقلاً أو نفساً.
من يعتقد بوجهة نظر واحدة إنما هو يحتفظ بجزء من الحقيقة وينظر من جهة واحدة مهملاً كل الجهات الأخرى، فلا ينظر إلى المنظر كاملاً.
نقبل أشياء كثيرة، فإذا جئنا إلى أخص خصائص الإنسان، عقله وتفكيره واختياره، تقدمنا لنزعها منه وإخضاعه، وفي هذا هلاك، كما أشار نص إخوان الصفا الذي جعل هذا المتعصب الذي يريد أن يبدأ حركة التغيير بالقول والإملاء، فأعلن وبذر جمرة الحقد ليصل إلى التصفية والقتل، فكان هالكاً باختياره المتعصب، بينما صاحب الأفق المتسع ناجياً في الدنيا والآخرة.
من هنا، فإن الاختلاف يبقى سمة إيجابية فاعلة في حياة البشر، هو الأصل والقاعدة الذهبية، أما الاستثناء فيأتي حينما تتدنى قيمة العقل وتفقد حكمة التصرف، فتتوارى فكرة التسامح وتغيب رغبة الائتلاف، فيسود أصحاب الفكر الواحد والصواب الأوحد، حينئذ يفقد التحضر أحد أهم شروطه، ومن ثم تتجمد حركة التطور، فيميل الميزان إلى الانحدار والتخلف، وهذا ما كان يحدث في سقوط الحضارات، ولم تكن الحضارة الإسلامية بمنأى عن هذا.
إن الذين حكموا بالرأي الواحد هم أول المساهمين في إسقاط الدولة والقضاء على تميز تلك الحضارة.. إن الوقوف في هذه المساحة الضيقة من الفكر لم يحقق يوماً استقراراً، بل حقق عدم رضا وحقق التمرد والثورة والدماء والتخلف.