«النور» تودع أبا عمار

بعد عطلة عيد الأضحى المتراخية بمدتها الزمنية، المليئة بالغصات والأحزان، عدنا إلى عملنا في جريدة (النور) يوم السبت 19/10/،2013 وكالمعتاد، ولأنه أول من يصل إلى الجريدة، دخلنا إلى غرفته لنلقي عليه التحية، فوجدنا مكانه فارغاً! قلنا ربما تأخر لأمر ما.. وبعد ساعتين من الانتظار، تساءلنا.. أبو عمار (اتصل شي)؟ فالتأخير عن العمل ليس من عادته.. اتصلوا به.. ربما!

وفعلاً اتصلنا بعائلته، فكان الجواب صادماً ومفاجئاً: أبو عمار في مشفى الطلياني، وقد أجريت له عملية جراحية وهو في العناية المشددة.

في صبيحة اليوم التالي (الأحد) جئنا إلى العمل، وبدأنا نرتب لزيارة زميلنا النشيط الدؤوب، وما هي إلا دقائق حتى تلقينا نبأ رحيله!

هكذا غيّب الموت واحداً من أسرة جريدة (النور)، أكبرنا سناً، وأكثرنا اجتهاداً ومثابرة على عمله وإخلاصاً له.

(أبو عمار) الذي تعلم في مدرسة الحزب الشيوعي السوري التفاني والتضحية بالجهد، واستسهال الصعاب.. كان واحداً من نزلاء سجن المزة الشيوعيين، الذين أكدوا للناس، بسلوكهم، كيف يكون الوفاء للمبدأ والإخلاص للقيم ومحبة الوطن.

(أبو عمار) المنكبّ على منضدته، الصبور على الأخطاء، المعلم في تصحيحها، المصر بعناد على صدور الجريدة خالية من أي خطأ نحوي أو قواعدي أو لغوي، وهمّه الأول أن تكون الجريدة على أفضل ما يمكن.

إخلاص أبي عمار في العمل، ودأبه وقدرته على الصبر والتحمل، وقد جاوز السبعين، كانت وستبقى مثالاً يحتذى، ليس لنا نحن زملاءه في العمل فقط، وإنما لكل من عرفه من أصدقائه.

اليوم نودع رفيقاً وزميلاً لنا، سنذكره دائماً، بما يليق به من صفات الصدق والاستقامة، والإخلاص والوفاء، والنزاهة ومحبة الآخرين.

خرجنا من الجريدة في مأتم حزين إلى منزل الفقيد، ثم إلى الجامع، فالمقبرة، ومعنا ثلة من رفاق الراحل وأصدقائه، يتقدمهم الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد الرفيق حنين نمر، وبعض أعضاء المكتب السياسي، ولجنته المركزية، وممثلين عن منطقية دمشق، حيث ووري أبو عمار مثواه الأخير.

واليوم الاثنين نعود لنصبّح على أبي عمار كعادتنا، فنجد كرسيه ومعجم اللغة العربية على طاولته وبعضاً من أوراقه، كلها كما هي على حالتها، لكن أبا عمار، مع الأسف، لن يأتي لترتيبها.

أما نحن فقد حرمنا نداوة لقائه، ومناقشاتنا معه حول تصحيح هذا الخطأ أو تصويب ذاك.. كيف هدأ هذا الصوت القوي في الصواب اللين في الخطأ، وتلاشت تلك العزيمة والصرامة والإقدام على العمل إلى حد التفاني فيه؟ لقد خسرت فيك اللغة العربية واحداً من عشاقها والحريصين على نقائها، كما خسر حزبك رفيقاً من المخلصين له، وفقدت جريدة (النور) مدققها اللغوي البارع.

ستبقى ذكراك يا أبا عمار في نفوسنا، وستكون قدوة لنا في المصابرة والصبر والإخلاص في العمل، أيها الراحل عنّا.. المقيم فينا!

العدد 1195 - 23/04/2026