أزمة مواصلات أم «أزمة ذوق»؟!

ازدحام مروري خانق في شوارع دمشق، والأمر ليس بجديد على هذه المدينة التي تقطعت أوصالها بحواجز وجدران إسمنتية قطعت شرايين العاصمة، وبعد إغلاق العديد من الشوارع الرئيسية ولدت أزمة جديدة تضاف إلى سجل أزمات المواطن السوري الحالية.

يطول الانتظار أثناء بحثك عن وسيلة نقل في طريقك إلى مقصدك، ليصل إلى عدة ساعات قد تكون كافية لإنجاز الكثير من الأعمال التي تنوي القيام بها، لكنك ستظفر في النهاية بفرصة الوصول إلى غايتك.

حالما يصل السرفيس يبدأ السباق للوصول إلى المقعد الحلم، لكنك لست وحدك في المعركة، العشرات ينتظرون أيضاً، تدافع عجيب لا فرق فيه بين ذكر وأنثى أو بين شاب وعجوز، فالغاية واحدة والانتظار طال، لكن ذلك كله ليس مبرراً لانعدام الذوق، ليس مبرراً لأن يدفع شاب امرأة عجوزاً قد تكون بعمر والدته أو جدته أحياناً، ويلقيها أرضاً دون أن يكلف نفسه ولو عناء اعتذار عما حصل، ولا بمبرر لأن يدفع رجل فتاة ويؤذيها بشكل من الأشكال.

قد يصل التدافع إلى حد يفقد سائق السرفيس صوابه، إذا كان من قصيري النفس، فيقرر أن يغلق الباب في وجه المنتظرين عله يعطيهم درساً في الانضباط وفقاً لاعتقاده، فيتحول الحلم كابوساً بعد طول انتظار. ولحكاية المواصلات فصل آخر بطلها باص النقل الداخلي أو سفينة نوح، كما يسميه البعض، هذا الاختراع الذي لا يتوقف عن استيعاب المزيد والمزيد من المتنقلين، فالكل مضطر إلى احتمال الضغط البشري في سبيل الوصول إلى مقصده.

وفي وسط الدوامة البشرية قد تدخل امرأة عجوز، وتنتظر أن يبادر أحد الشباب للوقوف وإعطائها مكانه، لكن أحداً لن يبالي، بل إنهم سينشغلون بأشياء كثيرة كالموبايل أو الحديث إلى الجالس بقربهم، أي شيء سيلهيهم عن النظر إليها، وقد يدخل رجل متقدم في السن يحمل الكثير من الأمتعة، سينتظر مثلما انتظرت العجوز أن يتحرك أحد ما ويمنحه الراحة المؤقتة، لكن أمله سيخيب كخيبة أملها إلى أن تتبرع إحدى الفتيات بمكانها، وعندئذ ستصحو النخوة في قلوب (الشباب الطيبة) بعد أن تجاهلوا لفترة طويلة اللافتة الموضوعة في الباص، والقائلة بأن أفضلية الجلوس للسيدات ولكبار السن، خصوصاً أن القاعدة قد تغيرت وأصبحت الأفضلية لمن يصل أولاً إلى موقف الباص على مبدأ (اللي بيسبق بياكل فستق).

لكن إن كنت من أصحاب الصبر المحدود أو من المتأخرين عن موعد أو عمل ما.. فعليك بالتاكسي، لكن ادعُ لله أن يرسل إليك سائق تاكسي من أولاد الحلال يقوم بإيصالك إلى غايتك، دون أن يشهر في آخر الطريق سلاحه في وجهك، مطالباً إياك بدفع كل ما تملك أو يقوم بإفراغ ذخيرته في رأسك، وإن كنت من الجنس اللطيف عزيزتي فادعي لله أن يوصلك إلى مكانك المنشود دون أن يقوم باختطافك تحت تهديد السلاح، وهذا ليس أحد المشاهد في فيلم هوليودي، إنه ما حدث حقاً ويحدث هنا في دمشق. وإن استجاب لله لدعائك عزيزي المواطن، وكان السائق ابن حلال ووصلت بالسرعة الممكنة إلى موعدك، بعد أن تتجاذب أطراف الحديث خلال مشوارك الطويل مع سائق التاكسي حول الكثير من المواضيع من الغلاء إلى البنزين والخبز والمازوت وغيرها، وحين يحين موعد الحساب سيبدأ العزف على السيمفونية المعتادة: (حواجز، وعم نضل مدري كم ساعة لنأمّن بنزين والله ما عم توفي معنا)، وسيطلب المبلغ الفلاني، ستخبره أنك في الشهر الفائت كنت تدفع نصف أو ربع المبلغ الذي طلبه، وسيقول لك (كنت) وكان فعل ماضي ناقص، سيستمر بالشكوى إلى أن تشعر بأنك أمام فيلم تراجيدي، وربما ستنهمر دموعك تعاطفاً معه إذا كنت من أصحاب القلوب الضعيفة، وستعطيه زيادة عن المبلغ الذي طلبه، أما إذا كان قلبك قوياً وعقلك صاحياً فستعطيه ما تراه مناسباً لك ولجيبك الصغيرة، لكن عليك أن تتحمّل ما سينهمر عليك من شتائم وإهانات وصراخ أحياناً.

وإذا كانت أزمة المواصلات إحدى أزمات المواطن القابلة للحل، إلا أنها مع استمرارها أفرزت أزمة جديدة يمكن تسميتها أزمة ذوق، هذه الأزمة ربما لن تتمكن خطط خمسية أو عشرية من حلها.

لقد أصبح الخروج من المنزل (رفاهية) عليك دفع ضرائبها، حتى لو كنت مضطراً للذهاب إلى عمل أو جامعة أو مدرسة، وعليك بالصبر وما بعد الصبر إلا المجرفة والقبر!

العدد 1190 - 11/03/2026