معاناة مزارعي الحمضيات في طرطوس.. إلى متى؟!

حين تعبر بساتين الحمضيات المنتشرة في العديد من المناطق الزراعية في طرطوس، تنتابك الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام عن السبب الذي يجعل بعض مزارعي هذه المادة يحجمون عن القطاف هذا العام! ولطالما اعتبرت زراعة الحمضيات من الزراعات الاقتصادية الهامة، إذ تتخذها أكثر من 60 ألف عائلة مصدراً لرزقها، مابين مالكين ومزارعين أو عاملين في مواسم القطاف، أضف إليهم التجار ومعامل العبوات الزراعية على أنواعها وسائقي الشاحنات.. وإذا نظرنا إلى محصول الإنتاج، فإنه يمثل ركيزة الإنتاج الزراعي في المنطقة الساحلية، حيث توجد مساحات كبيرة وبساتين كثيرة تتوزع فيها مختلف أصناف الحمضيات، لتوفر الظروف الملائمة من تربة ومناخ ومياه وكوادر فنية زراعية ومزارعين لديهم الخبرة اللازمة، إضافة إلى برامج المكافحة ووقاية الثمار والأشجار، وربما هذا ما يفسر الأرقام الكبيرة في كميات الإنتاج الذي يشهد تزايداً ملحوظاً عاماً بعد عام، ليقارب موسمها أكثر من مليون و134 ألف طن، موزعة على مساحة قدرت ب 26 الف هكتار عام 1997وبلغت 7,33 ألف هكتار عام ،2006 وأصبحت 6,39 ألف هكتار عام ،2011 وهذه الزيادة رافقها زيادة في عدد الأشجار، إذ كانت  مليون و255 ألف شجرة عام ،2006 وأصبحت مليوناً و651 ألف شجرة عام ،2011 وأكثر من 14 مليون شجرة حالياً حسب إحصائيات مديريات الزراعة.

لكن وكما الأرقام كبيرة في المساحة وعدد الأشجار وكمية الإنتاج وعدد الأصناف التي تقارب 100 صنف، فإنها كبيرة بعدد الصعوبات والعراقيل التي تواجه البساتين والمحصول والعامل على حد سواء، وبسببها تزداد معاناة مزارع الحمضيات، وتبدأ أحلامه وآماله بالتساقط في ذروة مواسم الإنتاج.. ووسط هذا التزايد بالإنتاج والمساحات المزروعة وعدد الأشجار، فهل حققت التقدم المطلوب؟! وأين تكمن معاناة الفلاحين الحقيقية؟ وهل الخلل بأنواع حمضياتنا وأصنافها، فلا تلقى رواجاً في الأسواق الخارجية؟ ولماذا يعاني فلاحنا ومزارعنا من فائض الإنتاج؟ وماهي الإجراءات الفعلية التي اتخذتها وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، لتضمن تسويق المحصول بالشكل الأنسب، فتقلل من معاناة المزارعين؟ وماذا عن مصانع العصائر الطبيعية التي لطالما سمعنا بإقامتها؟

قطاف مبكّر

يختصر المزارع علي محفوض معاناة المزارعين في ريف طرطوس فيقول: أنتج سنوياً ما يقارب 12 طناً من الحمضيات المختلفة، ولكي أضمن عدم الخسارة، أعمد إلى قطاف بعض الأنواع قبل أوانها (قطاف مبكّر)، كي أحصل على السعر المقبول، وبغير هذه الطريقة لن أتمكن من تحصيل التكاليف التي أنفقتها على بساتيني، ومع ذلك يبقى الكثير من موسمي دون قطاف ليسقط (تحت أمه)، لأنه ببساطة لا يأتي بأتعابه، والسبب عدم تنفيذ الوعود التي نسمعها كل عام من الجهات المعنية، والمتعلقة بالتسويق ودعم المزارعين وتحصيل المحصول وتأمين مصانع العصائر، ومنع استيراد المكثفات والبودرة الصناعية وغيرها منعاً باتاً، إضافة إلى العديد من المعوقات، التي تبدأ من السماد والمبيدات والأدوية الزراعية التي ارتفعت أسعارها كثيراً وندرة وجودها أو احتكار البعض لها، إضافة إلى ارتفاع أجور اليد العاملة وأجور النقل بعد زيادة سعر المازوت بشكل كبير وارتفاع ثمن العبوات على اختلافها، من البلاستيك أو الفلين، التي تجاوز سعرها 100 ليرة، فيما تجاوزت بعض عبوات البلاستيك 300 ليرة سورية، فأصبحت تكلفة الكيلو من الحمضيات تزيد عن سعر مبيعه، ومع ذلك نفاجأ أن إنتاجنا يباع للمستهلك بأسعار مضاعفة عما نبيعه في أسواق الجملة، ومثل هذا الفارق الكبير يذهب لجيوب السماسرة، نتيجة لغياب التنظيم في أسواقنا عامة وفي قطاع الحمضيات وعملية تسويقها داخلياً وخارجياً خاصة.

السموم والرشوش

السيد آصف من صافيتا، يملك بستاناً يقدّر بنحو 350 شجرة من مختلف الأصناف والأنواع، تحدث عن ذلك قائلاً: أنا لست مع المبيدات السامة، لأن قسماً من هذه المبيدات لابدّ أن يتسرب إلى داخل الثمرة، وبالتالي سيؤثر سلباً مع مرور السنوات على متناولي هذه الفاكهة، وقد جرّبت عدم رش الأشجار بالمبيدات، وكانت النتيجة اختفاء بعض الحالات التي كنت ألمسها بين عام وآخر. وأكّد السيد آصف فعالية المكافحة الحيوية، إذ اعتمد في المكافحة على الأعداء الحيويين التي تنتجها الدولة في مختبرات وزارة الزراعة، واستغرب عدم اعتماد الوزارة على هذه الطريقة في المكافحة بشكل أساسي، وخصوصاً تلك التي تهاجم ذبابة الفاكهة، تلك الذبابة التي تعدّ من أشد الحشرات فتكاً بالحمضيات وببقية الفواكه.

أمّا السيد إبراهيم من الدريكيش الذي يملك بستاناً من الحمضيات يقدر عدد الأشجار المثمرة فيه بأكثر من 540 شجرة مثمرة، فيقول بأن المبيدات تتحكم بها الصيدليات الزراعية، سواء من حيث السعر، أم من حيث المادة!

السماد

السيد أبو ياسر، من منطقة الدريكيش، تحدث عن استلام السماد هذا العام في الفترة المخصصة له، فالسماد يُرَش في فترة محددة وبعدها لا جدوى تذكر من استخدامه! وأكّد السيد أبو ياسر أن زيادة الأسعار هذا العام قد راكمت المنغصات والصعوبات التي يواجهها مزارعو الحمضيات، مع معرفته التامة بما يمر به البلد، ولكن لم نعد نتحمّل (قال ذلك بنبرة لا تخلو من المرارة والأسى).

أما السيد آصف، فكان رأيه أن الشجرة تحتاج إلى السماد بشكل سنوي، وقد كان أجدادنا يعتمدون على السماد الطبيعي (روث الحيوانات)، ولكن بعد انحسار تربية الماشية من قبل المزارعين لأسباب عديدة، فإننا نلجأ إلى السماد الكيماوي الذي تؤمنه وزارة الزراعة في مستودعاتها، وهذا العام لا معاناة في الحصول على هذه المادة، برغم الأوضاع التي تمرّ بها البلاد، مع تحفّظي على زيادة السعر.

التسويق

بالنسبة لعملية التسويق، فإنه يصحّ أن نقول للحكومة (أسمع كلامك أصدق.. أشوف أمورك أستغرب)، فالصعوبات التي تعترضنا- يتحدّث السيد أبو محمد من قرى صافيتا – ليست جديدة، بل هي قديمة وتتكرر معنا كل عام، واسمح لي أن أضرب لك مثلاً: إذا كان الطن الواحد من الحمضيات يكلفني أكثر من 20 ألف ليرة سورية ثمناً للسماد وللمبيدات ولأجور العمال وللنقل من البستان إلى السوق وثمن العبوات، سواء أكانت من البلاستيك أو من مادة الفلين التي حلّقت أسعاره أضعافاً مضاعفة، دون تدخّل أي جهة للجم هذا الجنون في سعر الفلين. الأسعار تتذبذب بين يوم وآخر، فلماذا لا تصدر الحكومة تسعيرة للحمضيات تتناسب مع ما ينفقه الفلاح، بحيث تؤمن له تلك التسعيرة دخلاً عادلاً؟! ولماذا لا تقدّم الدولة مثلاً العبوات بدلاً من تحكّم تجّار السوق بها وبأسعارها، لأنه من غير المعقول أن يصل سعر الفلينة فارغة هذا الموسم إلى 75 ليرة أو أكثر. في سوق الهال يتذرعون بعدم وجود شحن أو تسويق، لكنني فوجئت بأن ما بعته هذا العام بمبلغ 15 ليرة للكيلو الواحد يباع في السوق بحدود65 ليرة سورية تقريباً! أين التموين، وأين مراقبة الأسواق، وأين حماية المستهلك؟!

أمّا في بستان السيد مدحت علي من الدريكيش، فقد شاهدنا كميات غير قليلة من الليمون تحت الأشجار بسبب تردي الأسعار وتلاعب التجار الكبار في سوق الهال بالتسعيرة، وهنا يتساءل السيد مدحت بكثير من الألم والحزن عن دور التموين وحماية المستهلك، وعن تعويضات الحكومة عليهم أسوة بباقي المزارعين في سورية، سواء أكانوا من مزارعي القمح أم القطن في باقي المحافظات!

الوحدات الإرشادية

ينحصر عمل عناصر الوحدات الإرشادية بتقديم المضادات الحيوية.. والمُزارع مُجبر على البحث عن الصيدليات الزراعية التي يعمل بها أناس لا علاقة لهم بالزراعة أو بالمكافحة أحياناً، وهنا يتساءل السيد أبو ياسر عن عدم قيام عناصر هذه الوحدات بزيارات ميدانية لبساتين الحمضيات للوقوف على الآفات والأمراض التي تداهم بساتينهم، وعندئذ يتمكنون من تشخيص الإصابة على أرض الواقع بشكل صحيح.. ثم ماهو المانع من وجود الدواء (المبيد) في الوحدات الإرشادية؟ ولماذا لا تقوم تلك الوحدات بتقديمه بأسعار تشجيعية للمزارع بدلاً من ترك الأمر بيد صاحب الصيدلية الزراعية ليتحكّم بالأسعار كما يريد. في حين تساءل السيد مدحت علي عن عدم قيام مديريات الزراعة والوحدات الإرشادية بتوزيع المبيدات على المزارعين بأسعار تشجيعية منعاً لتحكّم الصيدليات الزراعية الخاصة بالأسعار!

خدمات لابدّ منها

لو نظرنا إلى ما كانت تقوم به مديرية الزراعة منذ زمن قريب فيما يتعلق بمادة التفاح مثلاً، لرأينا الفرق.. فالدولة تقوم بتوزيع العبوات البلاستيكية للفلاح وتقوم أيضاً بتأمين شاحنات كبيرة لتسويق هذه المادة، فضلاً عن وضعها التسعيرة التي تتناسب وجهد الفلاح وتتناسب أيضاً مع ما ينفقه على الشجرة والأرض، سواء لجهة السماد أو المبيد أو عمليات الفلاحة والتعشيب وجني الإنتاج! فما هو المانع – يقول السيد أبو صالح من إحدى قرى صافيتا – من قيام مديرية الزراعة بتأمين العبوات وتوزيعها على مزارعي الحمضيات واستقدام آليات من المديرية لاستلام الإنتاج وتسويقه وإعطاء المزارع الثمن الذي يتناسب وما ينفقه على الطن الواحد من هذه المادة مثلاً؟!

السيد شادي حسن تحدث عن شيء آخر في غاية الأهمية، وهو ضرورة تعبيد الطرق الزراعية التي تصل بساتين الحمضيات بالطريق الرئيسي العام، لأن ذلك سيوفر على المزارع الكثير من الجهد والتعب والوقت، فمن غير المعقول أن أقوم أنا- يتابع شادي- مثلاً بنقل أكياس السماد والصناديق مسافة بحدود 200- 300 متر على ظهري، لأنه لا يوجد آلية تتمكن من الوصول إلى بستاني أو إلى بساتين جيراني!

أمّا السيد مدحت فقد تحدث عن أضرار مكب القمامة على الطريق الواصل بين الدريكيش وجنينة رسلان قرب مقصف البستان العائلي، حيث يتجمع أكثر من أربعة بساتين للحمضيات تقدر أشجارها بنحو خمسة آلاف شجرة مثمرة، وهذا المكبّ هو بؤرة مناسبة لتكاثر الذباب والحشرات الضارة الأخرى.. وأستغرب صمت البلدية والمحافظة عن وجود هذا المكب في هذا المكان!

الحل بمشاغل العصائر الطبيعية

في الوقت الذي ينظر فيه مزارعونا إلى استثناء الحمضيات من قرار وقف التصدير ينتظرون خطوة جادة في البحث عن الطريق الأفضل لتسويق الموسم، ويرون أن الحل الأمثل يكمن بمنع استيراد المكثفات والعصائر، والعمل على إقامة مصانع متعددة قرب أماكن الإنتاج، لأنها تؤمن تسويقاً وتصريفاً جيداً للمحصول بأسعار جيدة وكلفة أقل، ولاسيما في ظل هذه الظروف التي انحصر فيها التسويق ببعض المحافظات دون سواها، إضافة إلى ما توفره هذه المصانع من فرص عمل للعديد من العائلات التي هي بأمس الحاجة للعمل، إضافة إلى إنتاج العصائر الطبيعية من ثمارنا المحلية التي تتميز حسب شهادات مخابر دولية ومراكز أبحاث عالمية بنظافتها ونكهتها، ما يسهم بدعم الاقتصاد المحلي.

وإذا كان إقامة المعامل تكلف مبالغ طائلة، كما يقول البعض، ويتطلب وجود مئات الأطنان من المحصول بشكل مستمر، ما يجعل من إقامتها أمراً صعباً غير مضمون النتائج، فلماذا لا يتم العمل على إقامة المشاغل الصغيرة وهي ذات كلفة قليلة، لأنها لا تحتاج إلى أبنية ضخمة أو معدات كثيرة، ما يجعل من إقامة العديد منها في المحافظات المنتجة خلق الكثير من فرص العمل من جهة والتحكم بالبضاعة من جهة أخرى، فيمنع دخول أي بضاعة غير موضبة أو مفرزة أو غير ناضجة إلى المشغل، وهذا بدوره يحد من ظاهرة القطاف المبكر ويدفع بالمزارعين إلى تصنيف منتجاتهم من خلال فرزها وتوضيبها وتعبئتها، ويقلل من تكاليف النقل نتيجة لقرب المشغل وسهولة الوصول إليه.. كما أنه يخفف عن كاهل الفلاح عبء ثمن العبوات، فمن المعروف أن للمشغل عبواته الخاصة التي تعطى للفلاح دون ثمن لإحضار محصوله فيها إلى المشغل.

كلمة لابد منها

إذا كان الفلاح يبيع محصوله من الحمضيات هذا العام بسعر يتراوح بين 10 و25 ليرة سورية للكيلو غرام الواحد في أحسن الأحوال في سوق الهال، وإذا كان المواطن يشتري تلك الفاكهة من محلات البيع المنتشرة في المدينة بسعر يتراوح بين 45 و65 ليرة سورية، فإن هناك من يقبض ثمن تعب الفلاح وجهده دون بذل أي جهد ودون مراقبة من أحد، فإن جلّ ما يتمناه الفلاح هو ملاحظة هذا الفارق الكبير بين سعر المبيع وسعر الشراء، وتدخّل الجهات المعنية لوضع حد نهائي لهذا، بما يعطي الفلاح ثمن تعبه وجهده، وينعكس إيجابياً على حياته للاستمرار بعمله على أكمل وجه.

العدد 1190 - 11/03/2026