ازدواجية المعايير الدولية وتغييب الوعي العربي: من السيادة إلى التبعية
علي شوكت:
في زمن تتداخل فيه المصالح وتتقلب التحالفات، تبرز ظاهرة لافتة في الخطابين الدولي والعربي على حدٍّ سواء: ازدواجية المعايير في تناول القضايا الكبرى، وعلى رأسها الملف النووي والصراع مع الكيان الصهيوني. وقبل الغوص في التفاصيل، لا بد من توضيح الموقف الفكري الذي ينطلق منه هذا المقال: ما يُكتب هنا ليس دفاعاً عن النظام الإيراني، ولا تبريراً لأيديولوجيته أو سياساته الداخلية أو الخارجية. للقارئ أن يختلف مع طهران فكرياً وعقائدياً، وهذا حق مشروع. لكن الخلاف مع نظام لا يعني القبول بازدواجية المعايير الدولية، ولا يعني التغاضي عن حق الشعوب في الدفاع عن سيادتها، ولا يعني التطبيع مع مشروع استعماري استيطاني يلتهم فلسطين.
أولاً- الملف النووي – معياران
- إيران: لا تملك سلاحاً نووياً (توكيدات الوكالة الدولية). برنامجها العسكري توقف 2003، وتخصيبها لا يصل إلى مستوى صنع القنبلة.
- إسرائيل: تمتلك 200-400 رأس نووي، لم توقع معاهدة عدم الانتشار، ولا تخضع منشآتها للتفتيش.
لماذا تصدر إيران عناوين (الخطر النووي) بينما يمر المخزون الإسرائيلي مرور الكرام؟ هذه ازدواجية مكشوفة.
ثانياً- القواعد الأمريكية – طوق نار وأهداف دائمة
الخليج يستضيف 40-50 ألف جندي أمريكي في 19 منشأة (قطر، البحرين، الإمارات، الكويت، السعودية). هذه القواعد تضع الدول المضيفة في دائرة الاستهداف المباشر. الهجوم الإيراني الأخير كشف أنها باتت عبئاً أمنياً. حادثة قصف الدوحة (سبتمبر 2025) أثبتت أن القواعد الأمريكية تعجز عن حماية الدول المضيفة، وتخدم أولويات واشنطن وإسرائيل أولاً.
ثالثاً- الكيان الصهيوني – من عدو إلى حليف
التطبيع مع إسرائيل (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) والتنسيق الأمني معها يعيد تشكيل المنطقة، فقد باتت الأنظمة العربية ترى في إسرائيل حليفاً ضد أعداء مشتركين.
رابعاً- الإعلام العربي المعولب – آلة تغييب
هذا الإعلام يقلب الحقائق (المقاومة إرهاب، وإسرائيل تسعى للسلام)، ويغيّب القضية الفلسطينية، ويكرّس ثقافة الاستسلام والتطبيع، ممثلاً أجندات الأنظمة لا الشعوب.
خامساً- لماذا هذا الطرح؟
لأن المبدأ أهم من الشخص. رفض سياسات طهران لا يعني القبول بازدواجية المعايير. العدالة تقتضي حقوقاً متساوية: كما تمتلك إسرائيل ترسانتها، يحق لإيران تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
سادساً- دروس التصعيد
القواعد الأمريكية لم تعد ضماناً أمنياً بل أهدافاً دائمة. السيادة الحقيقية تقتضي عدم تحويل الأراضي العربية منصات لحروب لا ناقة لأصحابها فيها ولا جمل.
سابعاً- بين السيادة والتبعية
نعيش إعادة تشكيل للوعي العربي: تبرير ازدواجية المعايير كواقعية، وبيع التطبيع كخيار استراتيجي، والتخلي عن فلسطين تحت غطاء (إدارة الصراع). الشعوب العربية تملك حاسة تاريخية تميز بها الصديق من العدو.
ثامناً- ضرورة استعادة الوعي
العودة للوعي تعني:
- ازدواجية المعايير سياسة متعمدة لإبقاء المنطقة ضعيفة.
- إسرائيل مشروع استعماري، والتطبيع خيانة.
- القواعد الأمريكية تخدم واشنطن وتل أبيب.
- فلسطين هي البوصلة الأخلاقية للأمة.
ولا بد هنا من التساؤل: لماذا يُسمح لإسرائيل بكل شيء بينما تحرم إيران من أبسط الحقوق؟ فيما يكون الجواب واضحاً، لأن المشروع الصهيوني-الأمريكي يحتاج أوعية عربية تتبناه، لكن الشعوب العربية ما زالت متمسكة بفلسطين حية في وجدانها حتى تحريرها.