زمن الدم

نكتب بالحبر الأزرق كلون ماء البحر الصافي، الخالي من النفايات النووية، ومثل لون السماء في زمن البطولات والشهداء… هؤلاء النجوم المضيئة في ليل الأمة المعتم.

في زمن الدم والنفط والدولار، حكايات الأبطال في سورية وفلسطين والعراق، الذين سجّلوا تاريخنا الأبيض، نكتب بالحبر الأحمر على أوراق الأشجار التي ما تزال تتشبث بالأغصان، رغم قوة الرياح العاصفة التي لم تقدر أن تقتلعها.. فظلت صامدة..!

نُحبّر أقلامنا العتيقة رغم جنون الأسعار والاحتكار وطقوس أوربا وأمريكا، المنصوص عليها في سجلات القذارة والقمامة والحصار.. نحبّر أقلامنا العتيقة ونملّح كلماتنا وصفحاتنا بدموع الأمهات، فهنَّ ملح الأرض والأوطان.. ومن يغسلنَ القلوب الظمئة، ويروينَ النفوس العطشى للحب.. وبدموعهنَّ نملّح أوراقنا وأحلامنا من وجعهنَّ وصرخات المناضلات الصابرات الشامخات كياسمين دمشق، ونخيل العراق، وبيارات فلسطين.

لقد اختلطت ألوان البحر والنهر والسماء والأرض. وحينما كنت أبحث عن لون العلم السوري، وأسمع لحن العصافير الهاربة من ساحات المعارك، كانت الصواريخ تدكّ مواقع الإرهابيين في (جبل الشاعر والرقة والحسكة والجولان والغوطة) وتشكل أقواس نصر في فلسطين، وزوارق تعبر دجلة والفرات إلى الموصل والأنبار ونينوى. وفي استراحة قصيرة على شاطئ الانتظار، تبدّلت زوايا الرؤية بين القائمة والمنفرجة والحادة.. كنتُ أقرأ أسرار هذا الزمن الهابط بـ (ثواره وظلامه وأركانه وأجنحته ومخربيه).. زمن يرتدي ثوباً من ورق الدولار، نُسج من خيوط النفط.. كنتُ أقرأ مقاطع من قصائد حفظتها منذ زمن.. كنت أرددها على باب مدرسة القرية الابتدائية ما تزال حيَّة في ذاكرتي. وتحوَّلت إلى خلايا لا تنام في أيام المحن والفرح والأحزان والامتحان.. قصائد أنبتت عشباً وحُبّاً وعشقاً للوطن والشهداء والديار والبيارات والحضارة والإنسان. وهذا مقطع من قصيدة للشاعر معين بسيسو يعود تاريخها إلى عام ،1952 (أي قبل62 عاماً) لم تجف حروفها بعد أو تتجلد، فبقيت تستظل تحت فيء دماء ألوف الشهداء والأسرى. وكتبت بحروف المناضلين على أبواب المخيمات في غزة والضفة والشتات. أنشدها عندما توقفت الحرب العربية – الإسرائيلية عام .1948. قال الشاعر:

البحرُ يحكي للنجوم

حكايةَ الوطنِ السجين

هذي هي الحسناءُ غز

ة في مآتمها تدور

والليلُ كالشحاذ يطرقُ بالدموعِ والأنين

ما بين جوعي في الخيا

م وبين عطشي في القبور

وغنَّى الشاعر هارون هاشم للفدائي، الذي أشعل مواقد الثورة قبل نصف قرن، وهو الآن يستمر منتفضاً بعناد وبطولة في صدّ العدوان عن الشاطئ والنقب والمخيمات والمدن الفلسطينية، ويطلق الصواريخ على تل أبيب ومطار بن غوريون والمستوطنات.. قصيدة بعنوان (فدائي) سُجّلت في كلمة الوداع، تحية لفلسطين ولحبيبة أو عشيقة أو خطيبة.. وأقول لها: (احفظيها تحت شغاف القلب كيلا تنسي عطرها ورائحته..!).

فدائي.. فدائي

وأقسم سوف أنتقم

لمن ذبحوا.. لمن أسروا

لمن جرحوا.. لمن حكموا

لكل الشعب.. كل الأرض

 خَطْوي زاحف عَرِمُ

وما تزال ذاكرتي المشحونة بشعر المقاومة، تستعيد هذا العبق من أبيات شعر ظلت صامدة، يرددها اليوم المقاومون الأبطال فوق الردم والبيوت التي هدمتها قذائف الطغاة. وهذا الشاعر سميح القاسم يقول في قصيدة (أطفال رفح).. وأقول أيضاً (أطفال غزة):

نحن لم ننسج غطاء من جديلة

نحن لم نبصق على وجه قتيلة

فلماذا تأخذ الحلوى وتعطينا القنابل؟

 ولماذا تحمل اليُتم لأطفال العرب؟

ألف شكر.. بلغ الحزن بنا سن الرجولة

وعلينا أن نقاتل…!

العدد 1195 - 23/04/2026