ريجيم صارم

مفارقات تبدو للمتابع أنها تحمل الكثير من  الغرائيية  في زمن الأزمات.. تلك الأزمة السورية المثخنة بالجراح، المثقلة بالأحزان والفقدان والتشتت والنزوح والتهجير والقتل والخوات وغيرها.. ويقول آخرون وهم أكثر واقعية، لقد أصبح المواطن مدمناً على المخدّر الذي صنع في مخبر الأزمة، ولم يعد بحاجة إلى من يحقنه فهو يستخدم الحُقن بنفسه!

واتَّبع المواطنون ريجيماً صارماً، وهم يشكلون النسبة العظمى من سكان العاصمة. وأدت رياضة السير على الأقدام إلى أنهم أصبحوا بحاجة أكثر إلى تبديل الأحذية، التي ارتفعت أسعارها أربعة أضعاف. لذلك فمن يراقب أصحاب الصحة والعافية الزائدة عن الحدود المعروفة، التي يقدرها الأطباء بالتوازي مع طول الشخص، يلاحظ الفرق الكبير. ولم يضطر هؤلاء لزيارة عيادات الأطباء أو التسجيل في الأندية الرياضية. وعدا ذلك فالزيت النباتي يعدُّ عاملاً مساعداً على التنحيف، وكذلك ازدهار الأسواق بالأعشاب مثل: (الخبيزة والهندباء والخس والرشاد والسبانخ وغيرها).

وفي المقابل انشرح صدر المواطن واتَّسعت رئتاه أكثر للأكسجين من شدة فرحته بدفع فواتير الكهرباء لدورتين (الخامسة والسادسة)، وإضافة مبالغ ورسوم تساوي ثلث الفاتورة.. ورغم ذلك يدفع ويضحك غير مستهتر، بل يشكر مؤسسة الكهرباء التي تقطع التيار سبع ساعات يومياً. ويشكل هذا الانقطاع الارتياح التام دون زيادة أو نقصان، بعدم رؤية التلفزيون والاستماع إلى الأخبار المزعجة واستقبال الزائرين .. ويقول: يكفي أن ضوء عيون أولادي ينير لي الطريق .. هذا هو فرحي وهؤلاء هم أبنائي الذين بهم سررت!

لقد هذَّبت رياضة المشي نفوساً كثيرة، وشفي أشخاص من أمراض مستعصية، عجز الطب المتقدم عن شفائهم. وأُصيبت أقدام عديدة بمسامير لحمية عجز طبّ المسامير عن شفائها أيضاً.. وكثيرون من الفقراء والكادحين بدؤوا ينتظرون الدور أمام محلات تصليح الأحذية المزدحمة.. ويطلبون ترقيعها ودرزها .. وآخرون أتخموا من أكل شوربة العدس والمعكرونة والبرغل وهم يشكرون ويحمدون.. وينحفون..

وسمعتهم وهم يهتفون ويهمسون بكلام من الذهب والتبر، ويتمنون أن يأكلوا الخبز الحاف ويظلوا في بيوتهم ولا يهجَّرون إلى المآوي والأماكن السياحية، فبيوتهم المتواضعة التي استظلوا تحت سقوفها عقوداً، أفضل من فنادق الخمس نجوم ومن الفصول الأربعة، كما قال أحد سكان العشوائيات!

كثيرون يستحقون المساعدة .. وكثيرون أيضاً قدّمت لهم مساعدات، ورفضوا أن يأخذوها لأن آخرين بحاجة إليها ويستحقونها قبل غيرهم..!

إن رياضة المشي لمدة ساعة أو أكثر، أفضل من سلَّة ممتلئة بالفواكه.. وسندويشة فلافل ألذ من سيخين مشويين من لحم الجمل.. المهم كما يردد فقراء الوطن دائماً ويتمنّون: أن نأكل الخبز والزيتون وأن نظل بصحتنا وألاَّ نزور الطبيب..!

العدد 1195 - 23/04/2026