المناطق العازلة وحجر قابيل

عندما كان تيودور هيرتزل يضع تصوراته لدولة إسرائيل، نبّه إلى ضرورة أن تعمل الدولة القادمة للسيطرة على ثلاث مناطق استراتيجية في بلاد الشام. جبل لبنان وسهل حوران والمناطق التي بينهما يجب أن تخضع للسيطرة المباشرة لإسرائيل، وبذلك تسيطر استراتيجياً على المنطقة الممتدة من معابر سيناء إلى بوابات الأناضول، إضافة إلى سيطرتها على المصادر الرئيسية للمياه والغذاء في المنطقة. وتبقى سهول الجزيرة السورية التي يجب أن تخضع للسيطرة غير المباشرة عن طريق الاستثمارات والمشاريع التي يجب أن تُقام في ظل نظام يكون تحت عباءتها.

ومنذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948 وحتى الآن، لا تزال إسرائيل تحاول التغلغل في البنية الاجتماعية والسياسية لدول المنطقة لتحقيق هذا الهدف، عاملة على تفتيت الروابط الاجتماعية وخلق الفتن الطائفية والمذهبية بهدف زعزعة الاستقرار السياسي، ودفع الأمور إلى جعل التعايش بين سكانها مستحيلاً، بعد أن تكون قد وضعت الأقليات أمام خيارين إما الإبادة أو التحالف مع الشيطان لحماية الذات. مع ملاحظة أنه حتى من يعتبر نفسه الأكثرية قد يجد نفسه هو الآخر أقلية إن تمّ تفكيك المجتمع والدول في المنطقة على أسس قومية وقبلية ومناطقية.

مع بدء الأزمة السورية، ونتيجة الهجوم الذي شنّه المحوران القطري-التركي، السعودي-الخليجي على دمشق، تراجع الدور الجيوسياسي الذي كانت تقوم به وخصوصاً بعد خروج بعض المناطق عن سيطرة الدولة في شمال وجنوب سورية. الأمر الذي جعل عواصم صنع القرار في المحورين تُطالب المجتمع الدولي بإقرار مناطق عازلة تكون تحت سيطرة ما يُسمى (المعارضة المعتدلة) كخطوة أولى لخلق قواعد ارتكاز تكون المنطلق للانقضاض على دمشق وإسقاط الحكومة الوطنية فيها. ويكون الهدف النهائي منها، التمهيد لتحقيق أحلام تركيا وإسرائيل بضم بعض هذه المناطق إليها تحقيقاً لمطامعهما الاستعمارية القديمة.

إسرائيل التي نسجت تحالفات استراتيجية مع المحورين، هي الأقل كلاماً والأكثر فعلاً بينهما، فمنذ بدء الأزمة وتفّجر الأعمال القتالية في المنطقة منزوعة السلاح في الجولان والقنيطرة، بدأت تل أبيب بنسج العلاقات مع التنظيمات الإرهابية في المنطقة، تحت مسمى الجدار الطيب، قدمت خلاله الدعم المادي واللوجستي لهم، إضافة إلى الدعم العسكري كي يتمكنوا من السيطرة على هذه المنطقة لتكون قاعدة لتوسيع عملياتهم باتجاه الحدود اللبنانية، والعمل على ربط محافظات سورية الجنوبية بهدف محاصرة دمشق وإسقاطها كهدف أولي. بينما تلعب على التناقضات الدينية والمذهبية لسكان هذه المناطق بهدف تحويل البعض إلى حرس لحدود إسرائيل، مثلما حاولت في لبنان سحب بعض طوائفه من محيطها العربي إلى المدار الإسرائيلي. الأمر الذي فشل مع إسقاط اتفاق 17 أيار وانتهى بعد أن تم تحرير جنوب لبنان عام 2000 بفضل وعي القوى الوطنية في لبنان من الفخ الذي كان يُنصب لها مع انسحاب أخر جندي صهيوني من المنطقة.

الأزمة السورية جعلت الإسلام السياسي بشقيه (الوهابي-العثماني الجديد) يعيد اكتشاف روابط الدم التي تجمع بني إسماعيل وبني إسحاق، والتي قرر على إثرها الأحفاد عدم تكرار قصة قابيل وهابيل. لذلك رموا حجر قابيل في بلاد الشام كي يُدمر النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فيها، وبذلك تتمكن إسرائيل من إعلان يهودية الدولة بعد أن تُهجّر باقي الفلسطينيين إلى الأردن بعد أن تضم له منطقة حوران، وتكون الدولة الفلسطينية الجديدة تحت سيطرتها المباشرة، وتفتت لبنان الذي يصفه الإسرائيليين بالفائض الجغرافي تمهيداً للسيطرة على الثروات الباطنية التي اكتُشِّفت في مياهه الإقليمية، وتحويل سورية إلى إقطاعيات متناحرة تنظر جميعها إلى تل أبيب كمخلّص. وفي الوقت الذي تحاول إسرائيل العمل على تحويل الخليج إلى قبائل متصارعة يغزو بعضها البعض كي تتمكن من استعادة ما تعتبره أملاك يهود في الجزيرة العربية والسيطرة على مُقدّراتها، تعمل على تنصيب سلطان من قش في أنقرة يقضي وقته في فض منازعات الحريم وتأديب الغلمان المتمردين. من قال أن قابيل لا يزال يقتل بالحجر ؟! في هذه الأيام قابيل يجعلنا نقتل بعضنا البعض كي يتمكن من السيطرة على المنطقة وهو مرتاح البال والضمير.

العدد 1195 - 23/04/2026