الحسم الاقتصادي أساس الغد لسورية القوية

لا يمكن لأي متابع للشؤون الداخلية السورية منذ عقد ونيف أن يتجاهل الصراع الاقتصادي المتموج بين القوى الاقتصادية والمؤسسات والأحزاب والشخصيات المستقلة، والذي كان يتموج حسب المكانة والقوة لحاملي المصالح والأفكار بين أطراف هذا الصراع، والذي حسم مرحلياً بتوجيهات خدمت بعض الأشخاص على حساب قوة المؤسسات، وعلى حساب بنية المجتمع السوري والقوة الداخلية لسورية، وعلى حساب الشعب السوري الذي لم يستطع أصحاب هذه المصالح أن يخلقوا الطبقات الكبيرة الحاملة والداعمة لمشروعهم، لمحدودية الفئات المستفيدة من برامجهم وخططهم.

 ومن يتجاهل الدور الذي يلعبه أطراف الصراع بالأزمة الحالية المريرة التي تمر بها سورية، إما جاهل أو متذاك يريد التعتيم على جوهر الصراع وعلى أدواته. وخاصة أن هناك من يريد قتل البنيان السوري وتدميره من أجل استمرار مصالحه، بالتحالف مع البعض الذين هدفهم الوصول إلى المال والسلطة بأي وسيلة، والغرب المتحد على ضرورة تدمير سورية وإضعافها وتهديم بنيتها التحتية ومراكز قوتها الاقتصادية. وإن كان الاقتصاد السوري الآن موجوداً فهو موجود من خلال تاريخية هذا الاقتصاد، والتأسيس الصحيح الذي بني عليه قبل أن يحاول البعض حرفه عن طريق فرض سياسات وبرامج لخدمة مصالحهم وإرضاء الغرب عبر نهج غطاؤه ليبرالي وداخله مجموعة سياسات تأخذ منحى الاحتكار للقلة، مترافقة بقوانين وتشريعات وعلاقات اقتصادية واتفاقات تخدم توجههم ومصالحهم، بالعمل على منع إصلاح القطاع العام وتخسيره من أجل قتله، ليتاح للبعض السيطرة على صناعات وعلى سلع ومواد من دون منافسة القطاع العام. وكذلك تحجيم وتحييد بعض المؤسسات من الاستيراد المباشر وإغراق السوق ببعض السلع.

وقد أدى ذلك إلى القضاء على الكثير من الحرف والصناعات، مع تسهيلات ائتمانية وتشجيع التوجه للقروض المشجعة على الاستهلاك، ترافق ذلك بمحاولة جعل الاقتصاد استهلاكياً ويعتمد على الخدمات غير المنتجة، والتفاخر بأرقام فقاعية لا تعتمد على الإنتاج الحقيقي للنمو. وإنما هي أرقام فارغة تعتمد على نمو بعض القطاعات الخدمية، كالعقارات والمصارف، مع العمل على تضخيم هذه الأرقام لتضليل من يريد المحاسبة وإعادة التقييم.

وترافق أيضاً مع التساهل في جمع الضرائب ومحاباتها لكبار الرساميل، وتعويض الفاقد المالي للخزينة برفع الرسوم والضرائب على الشرائح المتوسطة والفقيرة ،وإقحام القطاع الخاص بأسلوب غير اقتصادي وغير تنافسي، وتفشيل ما يشابهه من العام إن اقتضت الضرورة. وترافق ذلك بسياسة للتعيينات أغلبها يقوم على الولاء وعلى التبعية والموافقة على فعل ما يُطلب، وتحييد المنظمات والنقابات المسؤولة عن المواجهة والمحافظة على حقوق الوطن والمواطن، أو تقييدها للقبول القبول بهذه السياسات.

وقد نجم عن كل ذلك تشويه في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفسح المجال للكثير من الفوضى وللانحلال القيمي والأخلاقي، وهو ما مهد لكوم القش القابل للاشتعال في كل اللحظات. وما فاجأ المتابع أو الخائف على هذا البلد وعلى دم أبنائه هو استمرار الصراع نفسه والأسلوب والنهج نفسه في عز الأزمة المعقدة المركبة التي تمر بها البلاد والدماء التي سالت. وهناك أفعال ضارة  أخرى زادت عن وتيرتها السابقة عبر أدوات ما زالت تتصدر الواجهات وتلعب بأسلوب أبشع.

فمن منا لم يشعر بما فعله ارتفاع الدولار المبرمج الذي يحميه بعض قوى الفساد أمام الليرة السورية وما جلبه من معاناة كبيرة لكل السوريين وللوطن وما زال، ولم ينخفض إلا بتدخل المؤسسات؟ ولم يكن للأدوات المالية والنقدية أي دور يذكر. وبعد الجو المشحون للضربة التي توعدت بها الإمبريالية الأمريكية، عاد للارتفاع، ولكن كان المأمول هو مواصلة الانخفاض حتى تعود الثقة بالليرة السورية، وحتى نسير بحملة موازية لتخفيض عادل ومتوازن للأسعار التي ارتفعت مع الدولار ولم تزل محلقة، رغم تغير سعر الدولار.

 وبعد المطالبات المتلاحقة بالتدخل عبر المؤسسة الاستهلاكية ومؤسسات التخزين وعبر السماح بالاستيراد المباشر وإعادة تفعيل دور المؤسسة الخارجية، نفاجأ بسياسة غير مقبولة وتدل إما على جهل، أو على رغبة في محاباة البعض، بالتدخل عبر أسعار توازي السوق أو تتفوق عليه، وعدم التدخل لصالح الشرائح الفقيرة. التي تضاعفت أعدادها بتوزيع الكثير من المواد بالبطاقات التموينية بأسعار مخفضة تناسب الشرائح الفقيرة وكذلك تضرر المواطن من الأسعار التي يسعّرونها، ومن ذلك التصريح بأن تجار المفرق هم سبب ارتفاع الأسعار لحماية التجار الكبار المحتكرين، الذين لو دافعوا عن الوطن والمواطن مثلما يدافعون عن مصالحهم لكنا بألف خير.

إن التقصير في التدخل والمتابعة والمحاسبة جعل الكل يتمادى في المضاربة ورفع الأسعار، مثلما حصل بزيت الزيتون الذي بدأ موسمه بسعر ثلاثة آلاف ل.س لأجود الأصناف، ليصل إلى 14 ألف ل.س، علماً أن المنتج نفسه ولكنه مخزن من قبل. ولو هبطت الأسعار يبقى المالك رابحاً. وكذلك أسعار الفروج والتدخل الرائع من مؤسسة التخزين، التي سربت أنها ستبيع الكيلو المجمد ب400 ل.س، وكانت منذ شهور قد عرضت بيعه ب 200 ل.س. ومثلما حصل بسوق السيارات وغيرها من السلع بأجرة سيارات الأجرة وغيرها من الأسعار، التي نرى الجهات المدنية المسؤولة تتفرج وهي مبتسمة لظاهر التضخم السعري غير المبرر، متناسية الآثار السلبية الحالية والمستقبلية لهذه الظواهر.

إن التضخم الحالي الذي يحاول البعض تكريسه لن يكون لصالح الوطن ولا المواطن، ولا لصالح التأسيس للعودة القوية للاقتصاد السوري الذي مر بظروف مشابهة، وقوة الدولة وقوة المؤسسات أعادته بشكل أقوى وأكثر إنتاجية وعدالة اجتماعية. وبالتالي الحسم الاقتصادي ضرورة موضوعية وحاجة ملحة للعودة القوية لسورية الوطن والمواطن. وكل الأدوات اللازمة موجودة لمثل هذه الانطلاقة إن وجدت النية. ولا يمكن ذلك إلا بالعودة لدولة المؤسسات القوية العقلانية الانضباط، وفصل السلطات وانتهاج سياسة جديدة للتعيينات تعتمد الكفاءة والولاء للوطن والإحاطة بالفساد، والوصول إلى حل وطني لهذه الظاهرة السرطانية. ولا يمكن أن يكتمل ذلك من دون إصلاح مؤسستَيْ التعليم والقضاء أساس البلاء ومكمن التنشئة الخاطئة. ولا يمكن تجاهل دور الإعلام والمؤسسات الدينية المشاركة بعدم الوصول إلى التجانس والتناغم الشعبي الوطني، وبالتالي لا بد أن ينالهما نصيبهما من التغيير والإصلاح.

إن حسم الصراع الاقتصادي لصالح دولة مؤسسات تفرض النهج السوري الذي ينطلق من سياسات تناسب الواقع والبنى السوري، وهو أس القادم الصحيح. وهذه السياسات لا تعني تحييد القطاع الخاص وإنما تعني إعطاءه دوره التنموي، بما يخدم الوطن والمواطن، وأن يكون هذا القطاع تحت سقف الوطن. وكل ذلك يتم بالفعل وليس بالتنظير الذي شبعنا منه، ولم نحصل منه إلا على الخراب والتهديم.. النهج السوري فقط وليس سرقة أو استنساخ تجارب كان التطبيل لها بهدف التضليل كما حصل سابقاً، كلما جاء مسؤول سبقته تصريحات بالنهج الذي سيتبعه. شبعنا من تجريب النهج التركي والماليزي والسنغافوري والهندي ووووو. النهج السوري المنطلق من الواقع بمشاكله وأدواته المالية والمادية، الهادف لخدمة الإنسان الذي هو غاية وأداة التنمية الحقيقية.          

العدد 1190 - 11/03/2026