إفشال المقايضة… مهارة تحويل السوريين الحلول الاقتصادية إلى مشكلات
لن يكون مصير المقايضة، أفضل حالاً من الرغبة الحكومية في التوجه شرقاً، ولن يخرج مصير المقايضة المتوقفة رغم كل التسهيلات، عن مصير المشاريع الاقتصادية الطموحة والمتفائلة التي طرحتها الحكومات المتعاقبة، والتي فعلاً كان حظها الموت البطيء، والتوقف والنسيان، وفقدانها البريق الجميل الذي حاولت تلك الحكومات إعلانه. ماذا تحقق من المقايضة؟ سؤال ربما يخفي في طياته الكثير من التشاؤم، لأن ما حققته المقايضة السورية مع الشركاء الاقتصاديين الحقيقيين، أقل من التوقعات بكثير، ولايستحق ما قيل من مديح في هذه المقايضة، التي كان يفترض أن تزيل الحواجز الموضوعة، والعقبات التي حاول الغرب الاستعماري، بليبراليته القاتلة، أن يصنعها بكل ما أوتي من قوة وجبروت، لممارسة المزيد من الضغوط على اقتصادات البلدان المتخلفة ودول العالمثالثية، الموسومة بالتخلف والفشل، وعنوانها العريض الفساد.
لم تقدم المقايضة بين سورية وإيران كل ما توقعه السوريون من شريكهم التجاري والاقتصادي المهم حالياً، ولم تستطع المقايضة على مايبدو أن تنقذ الاقتصاد السوري من وقوفه في عنق الزجاجة، التي تضيق عليه، وتخنقه على نحو مباشر. فهذا الاقتصاد الذي أنهكته الأزمة، وجعلت من مؤشراته الإيجابية قبل الأزمة، مؤشرات أكثر من سلبية الآن، لم تتمكن المقايضة، أن تساعده على البقاء نابضاً بالحياة، وعجلة إنتاجه تدور، وقطاعاته المختلفة تحافظ على ما يسمح لها بالبقاء على قيد العمل. فما يجري على الأرض كان أقوى من أي حل اقتصادي. حاول إنقاذ ما تبقى للاقتصاد الوطني من وجود، ويحافظ على كيانه الذي دكته قوى الفساد قبل الأزمة، وأتت الأزمة لتكمل ضرب ما تبقى له من عناصر قوة، بالتعاون مع تلك القوى عينها وممثليها.
كل ما نشر في وسائل الاعلام المحلية قبل أشهر قليلة منصرمة، كان يؤكد أن أصدقاء سورية، لاسيما إيران، فتحوا بوابات اقتصاداتهم المغلقة، وسيقدمون ما يحتاجه الاقتصاد الوطني، على طبق من ذهب، مقايضة مفتوحة، خط ائتماني مع إيران بلاسقف إن دعت الضرورة، ومحدد بمبلغ ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار، وقابل للتعديل عند الضرورة، أسواق مفتوحة، تبادل وتسهيلات بالجملة، وغيرها من العبارات التي فعلاً زرعت الأمل بأن مواجهة قوى الخراب والتدمير والليبراليات الحرة والقوى الفاسدة وغيرها من (لوبيات) التحالف ضد سورية ومواطنيها، لن يكون بمقدورها أن تُذل نفوساً كراماً، أو تخذل شعباً أبياً، أو تجعل من الجوع سمة له، أو تتركه وحيداً بلا خبز وهو الباحث عنوة عن الكرامة. فوُجدت المقايضة نهجاً لمواجهة كل ذلك. وتمكنَّا نحن السوريين، بكل ما أوتينا من علوم ودروس الفساد والخراب والتآمر والخذلان والبيروقراطية وغيرها من أمراض قاتلة، تمكنَّا من إفشال المشروع الجميل والبراق، وحولنا القضية العادلة إلى خاسرة. وجعلنا من المخرج الوحيد اقتصادياً باباً موصداً. أليست هذه مهارة نُحسد عليها؟ ألا يمكن اعتبارها مدرستنا الخاصة في مجال قتل المشاريع التي ولدت قوية، فشوهناها وجعلنا منها مشاريع مسخ؟
ثمة من عرقل تنفيذ اتفاق المقايضة، وهناك من حاول أن يستفيد منه، وآخرون عملوا على أن يكون منقذاً وباباً غير موارب لمرور وانسياب السلع والبضائع، لاسيما من إيران، بعد أن أوصد الشقيق كل أبوابه.
تصوروا أن الأردن الذي لايملك ما يورده إلى سورية قرر إيقاف مستورداته من سورية رداً على قرار سوري بمنع تصدير الخضار. حتماً ظهرت مهاراتنا في عدم الاستفادة من المقايضة، فنحن على ما يبدو جهابذة في صنع الفشل الاقتصادي، وعباقرة في رسم طريق الهاوية، وبارعون جداً في وضع خريطة الطريق الخاطئ أو المغاير. ونحن الوحيدون في العالم ربما القادرون على اختراع الدولاب من جديد، وتعديل الاختراع والاكتشاف، بحكم تجربتنا المريرة والطويلة في آن واحد بالتنكر لكل التجارب المنجزة، وتوقنا لصنع تجربتنا الخاصة، دون أن نوفر الأدوات والمستلزمات والظروف المناسبة لها، فلا قلدنا الآخرين بنجاحاتهم، ولا صنعنا فشلاً يمكن إصلاحه، بل كانت النتيجة فشلاً هجيناً. فشلت المقايضة حتى الآن، التي لم تعبر عن الرغبة السياسية التي منحتها ذلكم الزخم الكبير، ووضعت في دواليبها عشرات العصي، فلا إيران استوردت فوائض إنتاجنا من زيت الزيتون والحمضيات وغيرها، ولم نتمكن من استيراد المواد الغذائية ومستلزمات الإنتاج منها بما يلبي احتياجاتنا المتزايدة. وما خرج عن ذلك كالطحين والمشتقات البترولية، كان الاستثناء، من عقود لم تكن بحاجة إلى عقلية الاستثناءات، ولا لجهود تذليل العقبات، لكنه الواقع الذي لا مفر من مواجهته. ومشكلة استيراد الفروج المجمد، وتداعياتها، كافية للدلالة على حجم الفشل. فتوريد أطنان من الفروج احتاج إلى فترة بدأت من نيسان الماضي لحظة اتخاذ القرار إلى أيلول المنصرم لتصل جحافل هذا الفروج. فكان الانتظار سيد الوقت الطويل الذي أزهق هباءً. ألا يجدر بنا التساؤل من يتحمل مسؤولية فشل المقايضة، وعرقلة تطبيقها؟ أهمية السؤال لا تعفي إطلاقاً، من ضرورة الإجابة عنه، وتحديد من أفشل المقايضة بدقة، لأن الشركاء في صنع هذا الفشل كثر، والحكومة تعرفهم، وصناعة الفشل أسهل بكثير من شق درب النجاح.