صمت وعتمة وعطش
قطعت الأنظمة العربية ألسنة عواصمها.. أصيبت شوارعها بالخرس، وبكت حجارتها دماً على غزة وفلسطين، في عتمة حالكة وصنابير الماء يلعلع الهواء في حناجرها.. وأطفال يمتطون خيول مراجيح مزقتها الصواريخ. وتناثر لحم الأطفال على الجدران، لونته رياش الحزن والألم، وحوّلته إلى معرض للفن التشكيلي.
وسقط الحب المُعْلَن أمام العالم منذ ستة عقود ونصف، تحت الردم والسقوف المحنطة بالإسمنت. وما بقي لحم ودماء وثياب عتيقة وبعض الألعاب البلاستيكية المهشّمة!
غزة بلا كهرباء ولا ماء ولا مأوى.. وبعد شهر على العدوان الإسرائيلي، لم تعد المقابر تتسع للشهداء، ولا المستشفيات للجرحى .. وسقط أكثر من 1600 شهيد و أكثر من 8000 جريح .. ومليون وثمانمئة ألف فلسطيني يعانون عدم وصول المياه إلى بيوتهم. وتستمر صواريخ المقاومة ضد الأهداف الإسرائيلية العسكرية والمستوطنات، وقتلت المقاومة نحو 60 من ضباط وجنود العدو ومئات الجرحى!
خاض الشعب الفلسطيني قبل ثلاث سنوات معارك، وحراكاً شبابياً واسعاً انطلق في عام 2011 . وهبَّة شعبية عارمة ضد الاحتلال الإسرائيلي في ذكرى النكبة.. وهبّة ثانية تضامنية مع المعتقلين الفلسطينيين في معركة الأمعاء الخاوية، وأدهش العالمَ المعتقلُ سامر العيساوي، الذي نفَّذ إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمرَّ تسعة أشهر!
يخطئ من يقول: (إن العرب جميعاً أصبحوا أعراباً).. لا تزال فلسطين تسكن في قلوب عشرات ملايين العرب الحقيقيين والمناضلين ضد مشاريع من يسوّقون البترو – دولار ويبشّرون بالهزائم ويزرعون الإرهاب في أرض سورية والعراق. وفي الساحات العربية هناك الملايين التي ماتزال تنشد وتردد مع نيرودا هذا المقطع عن الحب:
(أحبّكِ عن قُرْب جداً بحيث تصبح يدك التي على صدري يدي / عن قُرْب جداً إلى حد أن عينيك تغمضان حين أنام).
أغلق العالم آذانه ولم يعد يسمع هدير الطائرات والمدافع .. أصيب بالعمى ولم يعد يرى مئات المنازل التي سقطت سقوفها على العائلات. وارتكب مجلس الأمن الدولي جريمة يمكن وصفها بـ (الخيانة الدولية العظمى)..
ارتبكت إسرائيل وظهر على وجهها بثور وتقيحات .. وانقسام سياسي وعسكري .. والمقاومة الفلسطينية الباسلة ضربت تحصينات العدو.. ونفذت عمليات نوعية فاجأت إسرائيل.. وفتحت المدن والمستوطنات ملاجئها لخمسة ملايين إسرائيلي. وأحبطت صواريخ المقاومة التوجهات الإسرائيلية للقيام بالهجوم البري. وأن حجم ما ألقاه الحلفاء على مدينة (درسدن) الألمانية في اللحظات قبل الأخيرة من سقوط النظام النازي، يساوي عدد القذائف والصواريخ التي ألقتها إسرائيل خلال شهر من القصف اليومي على غزة والمدن والمخيمات التابعة لقطاع غزة.
لقد فوجئت إسرائيل بقوة المقاومة وتجهيزاتها الدفاعية، ولم تحسب حساباً لمعركة طويلة . ووجدت صعوبة في الانتقال من عملية عسكرية محدودة (تأديبية)، إلى عملية عسكرية طويلة ومواجهة مع شعب صامد قدَّم عشرات ألوف الشهداء ومقاومة مدربة تدريباً جيداً. وأدى حادث تفجير المجنزرة الإسرائيلية في حي التفاح بغزة ومقتل وإصابة من فيها وأسر أحد الجنود، إلى تمرّد الجنود على الأوامر ورفض الدخول إلى القطاع!
تحية إلى الشهداء والمعتقلين الفلسطينيين.. تحية إلى أطفال فلسطين، وإلى المرأة الفلسطينية المقاومة، الصابرة، المناضلة!