الإدارة بالأهواء الشخصية
لا شك أن الإدارة القوية والمنضبطة هي من أهم الأساليب للوصول إلى الأهداف الإيجابية الموضوعة سابقاً والمخطط لها كهدف نهائي سخرت له الموارد المختلفة المالية والمادية والبشرية، ويكون لكل دوره حسب المستوى الإداري للوصول الجزئي إلى الأهداف الكلية…..
وقد تنوعت أنواع الإدارات، وكلٌّ ينظر للموضوع من ناحية معينة للوصول إلى أقصى الإنتاجيات والاستثمار الأعلى للطاقات الموجودة، فظهرت الإدارة السلوكية، والإدارة بالموقف، والإدارة بالأهداف، والإدارة الإنسانية. ولم يكن تنويع الإدارة أو الاهتمام بها علماً يعد من أهم العلوم، من باب الرفاهية أو الشكلية أو ديكوراً للتجميل وإنما من باب التقييد والانضباط والحد من الأهواء الشخصية، ومحاسبة كل من يخلّ بهذه القوانين وإعادته إلى السلوك القويم. ولذلك وضعت الأنظمة والقوانين العامة لكل المؤسسات والشركات والأنظمة الداخلية التي تراعي خصوصية الشركة أو المؤسسة من جزئيات تتعلق بنوع الاختصاص والخدمة أو المنتجات التي تقدمها، وكذلك وجدت تشكيلات ومنظمات هدفها الوقوف ضد أي سلوك أو تصرف أو عمل يحابي البعض أو الرأسمال على حساب الإنسان الذي هو الهدف الأول لأي تنمية وهو أداتها، ومن أهم هذه المنظمات النقابات العمالية الكابح لأي انتقاص من حقوق العمال والساعية لجلب المزايا والخدمات المشجعة لتسخير طاقات هؤلاء العمال نحو الإنتاجية العليا بما لا يسيء لإنسانية الإنسان، وهذا الضبط يجب أن لا يؤدي إلى عرقلة التطوير والابداع والتجديد والتجدد والابتكارات الشخصية الرافعة لسوية الأداء والمحفزة للإنتاج، وهنا يكون دور ما يسمى بالقائد الإداري الساعي للتطوير والقيادة المنضبطة المبدعة، على خلاف الإداري الملتزم بحرفية القوانين والمانع لأي تجديد أو ابتكار، وهنا أسّ التجديد والتطوير، فالقائد الإداري يهمّه الوصول إلى أعلى الإنتاجيات وتحقيق الأهداف الإيجابية بالتفعيل الصحيح لكل الإمكانيات والوصول إلى الاستثمار الصحيح لأهم عنصر من عناصر الانتاج وهو العنصر البشري، وهنا نكون أمام عقليتين: عقلية جامدة ساكنة هدفها التنفيذ الحرفي لما يملى لها، وعقلية بناءة متطورة منفتحة، ولكن التجربة العملية والواقع الماضي والحالي لدينا قد فرز وأظهر نماذج متجانسة تظهر التمسك بالقوانين وتسخير الأشخاص التابعيين لهم بعد فرزهم التدريجي للوصول إلى سوية تابعة منفذة لما تمليه من طلبات، ولو كانت على حساب الشرف والنزاهة، وتصب في حساب النهب والسلب وسرقة الأموال العامة، ولم يصلوا إلى هذه التشكيلة لولا الغربلة التدريجية بإقصاء أغلب الكفاءات والأشخاص غير المؤدلجين بثقافة مسؤوليهم، وتقديم القابلين للانقياد بما يملى عليهم، وهنا إذن يكون الاختيار الإداري للقائد أسّ العملية الإنتاجية والتنموية، ولايمكن أن يكون تجديد وتطوير من الاختيار الصحيح للقائد الكفء المرن الديناميكي المتفهم العارف القارئ المراعي لظروف البيئة المحيطة ولقدرات المنظمة وإمكاناتها، وبالتالي فالاختيار السيئ القائم على الولاءات والمحسوبيات لن ينجم عنه سوى العرقلة والعمل وفق أجندات ومتطلبات من يعيّنه، وخاصة إن جيء به بعقلية غير مؤسساتية، وفي حال تفريغ المؤسسات القادرة على ضبط سير العمل والمحاسبة المستمرة فيكون العمل هنا على تجاوز المتطلبات التنموية بشكل واضح أو مبطن محمي ظاهرياً بالقانون وفي الفعل مخالف للأهداف، كأن تكون الأمور لعرقلة مستثمرين من أجل أن يستمر مستثمر معين، بالتعقيد الروتيني والضغوط المالية غير القانونية، أو تسهيل تهريب السلع بكميات كبيرة وهي من النوع الحصري أو أن يتم تعرقل سلع تنافسية من أجل بعض المحتكرين، أو تفشيل مشاريع تقدر على القيام بها الحكومة من أجل تلزيمها للقطاع الخاص، أو تخسير مؤسسات أو شركات حكومية من أجل أن تعود فوائد إنشائها أو استثمارها للبعض على حساب الوطن والمواطن. أكيد عندما يكون الهدر والفساد قبل الأزمة بحدود 1000 مليار ما نسبته بين 20 و40% من الناتج المحلي فهذا يدل على خلل إداري ورقابي مستمر مستفحل، وعدم التصدي له يدل على تثبيط نشاط الأجهزة الرقابية المختصة للتصدي لهذا الفساد والهدر، وهذه هي القصة كاملة: أجهزة رقابية غير فاعلة سواء المؤسسات المختصة بالرقابة والتفتيش أو مجلس الشعب، وتقصير من الإدارات عمداً أو غصباً أو بسبب ضعف الكفاءات المعينة،وقد يلجأ البعض للتلميع الجزئي لأجزاء قد يكون آخذاً دور القائد الأكثر إنتاجية وفعالية كأن يكون الانضباط اليومي الوظيفي هو المعيار، بينما اللعب بالفاقد وبالإنتاج يكون ذا مردودية أكبر وأهم. وهنا دور القائد الإداري الناجح المنتج، وبالتالي تلميع القشور لإخفاء اللب أو الجوهر، وقد عانينا كثيراً من أفعال كهذه وإدارات مهترئة لنماذج بشرية ظاهرها زهور وعمقها رجس، نماذج هوائية مبرمجة حرفت الكثير من المشاريع عن أهدافها الوطنية وهدرت الكثير من الكفاءات التي لم ترض السير وفق أهوائها، وكان مصير هذه الكفاءات إما الهجرة أو الترك بزاوية معزولة، وكانت الكوابح التي سحبت من طريق الإدارات الهوائية الغرائزية، فكم من إدارات عينت وهي تملك ملفات سوداء وسمعة أسوأ وأداء إقصائياً، واستمرت لسبب وحيد أن المؤسسات المختصة مفرملة من إبداء الرأي حولها أو الإمكانية لعرقلة تعيينها أو محاسبتها، وكم كان تأثير هذه التعيينات على مؤسسات القطاع العام لتخسيره، أو على الميزانية العامة لمؤسساتها ووزاراتها وعلى الدخل القومي والوطني! وكم من أشخاص أصبحوا يملكون المليارات من لا شيء.
الادارة بالبرمجة الشخصية أو الهوائية غير جديرة بإدارة مؤسسة خاصة، فكيف بمسؤوليات ملك للوطن أو مخرجاتها تعود لفائدة الوطن؟ أسلوب التعيين أو الانتقاء أهم أساس لأي إصلاح والمحاسبة المستمرة حماية للوطن، وحتى لمن يعين في ظل عدم إعطاء الصلاحية المناسبة لا نفع لأي مسؤولية، فكيف سيقوم الشخص بمسؤولياته من دون صلاحية؟ وكيف ستضبط الصلاحيات من دون مثبطات قانونية ومحاسبة فاعلة؟ فالمنظمات والنقابات يجب أن تكون فاعلة وغير تابعة، وأن تكون الجدار الذي يصطدم به أي تعدٍّ للحقوق وللقوانين لا أن تكون أصواتاً فارغة أو شريكة لأي قرار يتخذه المديرون أو المسؤولون الهوائيون التابعون. الإدارة الكفأة الفاعلة أساس للقادم المبتغى وللتطوير وإعادة البناء والإعمار القادم.