الشائعات ثمار يسهل قطفها
منذ أيام نهق حمار الشائعات نهيقاً صارخاً وأخرجت الكلاب ألسنتها وزيّتتها بالدسائس… غطَّت فضاءً واسعاً في مناطق عدة على حدود التماس شرقي دمشق، أي في منطقة شديدة السخونة، يحقق فيها الجيش السوري تقدماً كبيراً ويحاصر مئات المسلحين التكفيريين هناك.
أثارت الشائعات التي تزداد شراهة، ويزداد مروّجوها رعونة وحماقة وسقوطاً في المياه الآسنة، الرعب المخيف المقلق، خاصة في هذه الفترة العصيبة، إذ يزداد تأثير الشائعات بشكل كبير جداً، في الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحروب.
كنت مراقباً وشاهداً على بعض فصول هذه المسرحية في شوارع (الدويلعة) وأزقتها. يعجز الكلام عن وصف هذه الفصول التي تبعث القلق والألم والحزن، وتدل على تدّني الوعي وانحطاط الثقافة الحربية والنفسية عند شريحة واسعة من الناس، فقد تحوَّل خبر دخول المسلحين إلى هذه المناطق والهروب الجماعي والنزوح المثير للاستغراب إلى ازدحام البشر والسيارات، ويمكن أن يتحول إلى كارثة، ويمكن تشبيهه أيضاً بخروج الناس من صالات السينما في الهند أو كما كان يجري في مصر في (ميدان التحرير).
هناك من يقول إن تصديق الشائعات بهذه السرعة ناتج عن دُعاة أو رُسل مأجورين في الـ (دخانية) يشكلون بيئة حاضنة للمسلحين، خرجوا من أوكارهم يبثون خبراً كلّفوا بنشره لإثارة الخوف وترك البيوت، وإيواء المسلحين المتسللين من وادي عين ترما لاحتلالها والتمركز فيها، على أثر هزيمتهم في تلك المناطق، وذلك لتخفيف الضغط عن هذه الجماعات الإرهابية.
الشائعات كما يعرف معظم الناس هي سلاح فتَّاك، يحطّم الروح المعنوية، وثمار من السهل قطفها وعرضها في سوق الأزمات وعلى أرصفتها، تكثر في الحروب والنكسات والكوارث والنكبات وفي أيام الشدّة. وأصبحت تشكل أحد فصول الحرب النفسية التي سرعان ما تؤثر وتنخر أغلفة العقول وتروّض النفوس دون تعب ومشقّة. ويطول هذا التأثير بعض من يدّعون أنهم (فلاسفة في الثقافة وأنهم ضد الدعايات المغرضة والشائعات التي يروّجها الطابور الخامس والعاشر).
الشائعات سلاح له أكثر من حد، تنتقل كالنار في الهشيم عبر الفضائيات (الجزيرة والعربية والأورينت وغيرها) على سبيل المثال المعاصر، وفي الإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف، من مصادر أو مراكز أصبحت في عصر ثورة الاتصالات (مراكز متخصصة)، تحت إشراف علماء النفس والمختصين بعادات الشعوب وتقاليدها، والباحثين في نسيج المجتمعات، إضافة إلى المروجين والدعاة من النساء والرجال والشباب الذين تخرجوا في الجامعات ولم يحصلوا على عمل. والكثير من (الصُّيّع) والزعران واللصوص والمشردين.
الشائعات كذبة كبيرة تكون في بدايتها خبراً ينتقل من شخص إلى آخر، ومن حيّ إلى حيّ حتى يعمّ المدينة كلّها، يقوم المروجون بزخرفته، ويرشّ عليه آخرون البهارات، ويلوّنه الشطَّار والرسامون المهرة بألوان الخوف والهزيمة، وسرعان ما يتمّ الحجر على تفكير الناس وإغلاق منافذه، فيصدقون وينفّذون إملاءاتهم، خاصة عند من يعيشون حالة من الفراغ الثقافي وغياب الوعي وتدني منسوبه، وعدم التحقق من مصدر الخبر ومعرفة الهدف من نشره في زمن وتوقيت محددين، ودراسة النتائج والاحتمالات التي يمكن أن تؤدي ربما إلى حالات انهيار المجتمع والوصول به إلى حريق لا يمكن إخماد لهبه!
وصنّف الباحثون الشائعات (بالشائعات الاندفاعية، وشائعات الأحلام). ويقال إن الشائعات هي التي أدت إلى هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية.
وهناك من صنّفها (بالشائعات الزاحفة والعنيفة والغائصة). أما الدوافع فحددها علم النفس بـ (الشائعات الحالمة والوهمية والتفريقية).
ما هو الدواء الذي يمكن وصفه لهذا المرض؟ وما هي التربة البديلة التي تمنع نموّه؟
نعلم جيداً أن تقديم العلف للفرس قبل السباق بأيام لا يؤدي إلى الفوز.. وأن إعطاء الدواء في المرحلة الأخيرة للمرض يمكن أن يسرعّ بموت المريض بدلاً من شفائه، مهما كان الطبيب مشهوراً وناجحاً..! وأنَّ علاج مرض الشائعات الذي بدأت جرثومته في الانتشار منذ آلاف السنين، يحتاج إلى وَصْفَة متعددة المراحل، وإلى خطة ثقافية على مستوى الوطن، تتبنَّاها المؤسسات الثقافية من أعلاها إلى أدناها، والقوى السياسية الوطنية والتقدمية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي. وقيام حَمْلة ثقافية واسعة تشمل الريف والمدن، تستخدم فيها أحدث إنجازات ثورة الاتصالات..!