الدعم الاجتماعي في موازنة 2015 أقرب إلى الوهم
كان حرياً بالحكومة أثناء تقديمها بيانها المالي حول موازنة العام القادم، البالغة 1554 مليار ليرة، منها 1144 مليار ليرة اعتمادات الأنفاق الجاري، أن تتوقف قليلاً، عند نسب الإنفاق فيما تبقى من موازنة العام الجاري، وتنطلق من ذلك لرسم ملامح العام القادم مالياً. فالأرقام الكبيرة، والمهولة، التي وضعها وزير المال في معرض دفاعه عن البيان المالي أمام مجلس الشعب، تستحق قراءتها، وتحليلها، لأنها المعيار المهم المتاح الذي يجسد حجم الحكومة في الاقتصاد، ويعزز دورها التدخلي، ويضع بعضاً من النقاط على الحروف. ما يميز موازنة 2015 الزيادة المضطردة في حجم الدعم الاجتماعي، إذ قدرت نفقات هذا الدعم بـ 983.5 مليار ليرة، بزيادة 368.5 مليار ليرة مقارنة باعتمادات العام الجاري المخصصة للدعم الاجتماعي. هذا الرقم غامض، وينطوي على عدم دقة، وفيه من عدم الصحة مايؤكد أن جزءاً كبيراً منه وهمي. تتوزع نفقات الدعم الاجتماعي في موازنة 2015 على 338 مليار ليرة دعماً للمشتقات النفطية، و413 مليار ليرة للطاقة الكهربائية، و195 مليار ليرة للدقيق التمويني والسكر والرز، إضافة إلى 10 مليارات ليرة للصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، ومثلها لصندوق دعم الإنتاج الزراعي، وتغطية عجز المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان والمؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب بـ 17.5 مليار ليرة. والسؤال المطروح: كيف ترصد الحكومة مبلغاً للصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية وتعلنه، دون أن تحوّل المبلغ ذاته المخصص للعام الجاري؟ وهي تعاملت مع الموضوع بالطريقة ذاتها في عام 2012؟ هل تظن الحكومة أن مجرد إعلانها عن هذا الرقم يعني أنها أنفقته؟ لابد من توضيح هذه المسألة، على الصعيد الرسمي، وأن تقدم الحكومة تفسيراً لإدراجها مثل هذا الرقم، مقابل امتناعها عن تحويل المبلغ إلى الجهة صاحبة العلاقة، أي الصندوق المذكور.
وفيما يتعلق بالمشتقات النفطية، والدعم الذي تقدمه الحكومة، يمكن القياس بالمسطرة ذاتها، فضخامة الرقم، ناتجة عن سعر الصرف المتدهور، والقيمة السوقية المتراجعة لليرة. واللافت أن الحكومة تنتهج علناً سياسة تحرير أسعار الطاقة، وتنفذ هذه السياسة بكل جرأة، وبالتالي لن يفيد مقدار الدعم، الذي لايتجاوز لهذا القطاع أكثر من 1.7 مليار دولار، وهو رقم (بالقطع الأجنبي) قريب جداً من الدعم الذي كان يقدم سابقاً. ومع غياب الكميات، وهو الرقم ذو الدلالة، تصبح المسألة غاية في الوضوح. وكذا هو الأمر بالنسبة للطاقة الكهربائية، ودعم السكر و الرز الذي دفعت الحكومة أسعاره إلى الأعلى، بينما هناك الكثير من الأسئلة المتعلقة بصندوق دعم الانتاج الزراعي؟
أرقام الدعم الاجتماعي، لا تعبر عن واقع الدعم الحقيقي، الذي ترى الحكومة أنه من صنع يديها، وموقف إيجابي تتخذه. هذا الدعم لايشبه الدعم، خاصة أنها تقود نهجاً يخلصها من التزاماتها الاجتماعية، وبدا ذلك واضحاً في مجال رفعها لأسعار الخدمات الأساسية ومنها الطاقة والسلة التموينية. ولم يبق لدى الحكومة إلا مسافة قصيرة جداً، وتتجاوز عائق الدعم الاجتماعي، وتحرر نفسها من كل الأعباء التي أرهقت كاهل موازنتها، وبالتالي طي صفحة ملف شائك ومعقد، ببساطة شديدة.
تمارس الحكومات سياسات اقتصادية ـ اجتماعية الطابع، انطلاقاً من الظروف القاهرة لفئات عدة من طبقات المجتمع، تمنعها من الحصول على الحد الأدنى من الخدمات، وعلى المستوى المطلوب للحياة الكريمة. فيأتي الدعم ليسد هذه الفجوة، ويمنع انزلاق هذه الطبقات الفقيرة والمهمشة أكثر إلى القاع، وتحولها إلى قنابل موقوتة اقتصادياً واجتماعياً. تمضي الحكومة في بيانها المالي، وكأن الدعم باق، وتشرح سياساتها الاقتصادية والمالية، وفقاً لرؤية متناقضة، فالدعم بشكله الحالي زائل، رغم الاعتراضات المسجلة على هذا النهج الحكومي، بينما الحكومة تتفاخر بوجود الدعم الاجتماعي الذي سيصبح من ذكريات ماض جميل للاقتصاد الوطني، فلماذا هذا التناقض؟ إذ ليس بالدعم وحده يحيا الاقتصاد، لكن دون دعم لابد من توقع كوارث اجتماعية، على اعتبار أن الاقتصاد يتكيف مع المتغيرات، حتى أكثرها سوءاً.