استلاب الألباب وغسلها والتهيئة للصعاب
الانطلاقة الصحيحة للمحركات العالمية لقوى الاستبداد والظلم وسالبة حقوق الإنسان، بكل ما تعنيه، هو التحكم بالبعد الاقتصادي، للسيطرة على الثروات الاقتصادية والتحكم بسوية التنمية والنمو وردع الآخر وقمع الثاني وتدمير الثالث لمنع اللعب بأي معيار أو مبدأ من مبادئ اللعبة، وهو أهم مبدأ للولايات المتحدة الأمريكية: منع أي آخر من أن يستقل بقراره أو تنميته، وعرقلته بأي وسيلة ليستمر تفوقها وصولاً إلى تفردها. وبالتالي سلب كل ما يجعل الآخر قادراً على اللعب بمعزل عن إرادتها إما بشكل مباشر أو استلاباً بالنيابة، أو بفرض سياسات وبرامج تجعلها قادرة على اللعب بمن يعاندها في لحظة، فالنظرة الإمبريالية إلى مراكز الأطراف لم تتوقف منذ بداية تكوينها إلى الآن، وإن اختلفت الأساليب والأدوات والطرق، فمن الشيء العلني على مرأى الجميع باستخدام القوات والقوة لاستعمار البلدان وسلبها ونهبها واستغلال طاقاتها المادية والبشرية، إلى أساليب أكثر فائدة وأقلل ضرراً لمواطنيهم الذين ينظرون إليهم نظرة تميز وتفرد وسيادة يجب المحافظة على ولائهم وعدم معارضتهم بتطبيق أي شيء مناسب حتى ولو كانت قوانين اقتصادية اجتماعية عادلة ترفضها هذه القوى للدول الأخرى وتدمر من يتبناها في حال العناد ورفض اللبرلة، على عكس الآخرين الذين ينظرون إليهم نظر عبيد أقل منزلة حتى من حيواناتهم، فهم يحفظون حقوق حيواناتهم ويقدمون لهم ما يكفي لعلاج الملايين وإطعامهم، وبالتالي إن الاحتلال المباشر هو آخر الطرق ولا يعتمد عليه إلا اضطرارياً لأنه أصبح مكلفاً وتراق به دماء ويشكل وحدة رأي ضدهم لا يمكن أن تفيد وقتئذ اللعبة التفريقية على مبدأ (فرق تسد) على أسس طائفية ومذهبية وقومية وإيديولوجية ودينية وووو…و بالتالي لم ينعم أهل منطقتنا بالهدوء والسكينة إلا في لحظات الصراعات الطاحنة بين القوى الغربية لبسط نفوذ والإطاحة بنفوذ، والفكر الاستراتيجي لمتزعمة الامبريالية وقائدة الإطاحة بحقوق الانسان يعتمد على الاستلاب المستمر والمتدرج لكل فاعلية القوى لمواجهة مشاريعها، سواء كان هذا الاستلاب على المستوى الفكري أو الثقافي أو الاقتصادي أو حتى الديني وفق برامج دقيقة وفاعلة لسلب حيوية مواجهة أي فروض أو إملاءات من قبلها على المستويات كافة، وكذلك لربط الدول ببرامج إعادة تعمير وتبعية، وبذلك تستمر ثنائية النهب والتصريف.
فكان الاستلاب منظماً، ودقيقاً وموجهاً وبانت نتائجه السلبية المدمرة.
وكان موضوع الاستلاب غسل الدماغ للفرد ليصبح غرائزياً بعيداً عن العقائد الوطنية أو الالتزام الحزبي البناء، هذه الأحزاب التي نمت في فترة تبلور الوعي وفي فترة نشوء القوميات والأممية والحرب الباردة، وفي فترة تبلور الدول وعدم الاقتناع بحركات دينية دخيلة حرفت الأديان عن مسارها وهدفها الإنساني الاجتماعي، وبالتالي حتى الأحزاب الدينية كانت ذات برامج وتخضع للإرادة الشعبية، ففي فترة الديمقراطية الحقيقة في سورية عندما أوصلت الانتخابات 17 نائباً بعثياً إلى البرلمان لم يستطع الإخوان إيصال سوى نائب حمصي واحد. هذه التجربة سارع الغرب لبترها بإغراءات وإدخال في تجارب غير ناضجة مجهولة، ثم تفوق الوعي لسيطرة الفكر الاشتراكي الاجتماعي العادل وليعود الغرب إلى الحفر والتفريغ والبتر، فالسلب والاستلاب هو فن سرقة الألباب.
ويمكن تعريف الاستلاب بأنه وقوع الكائن العاقل، الذي يمتلك حيزاً من التفكير العادي، والمتفاعل مع محيطه بالضرورة، في موقع الأسر الكلّي، وشبه المطلق، لفكــرة ما، أو لمقدرة أكثر تأثيراً من مثيلاتها، بحيث تكون اللولب الجوهري الذي تدور في فلكه كلّ المسمّيات الأخرى، وبحيث تكون هذه المقدرة بمثابة الرأس الموجه، الذي يطلق العنان لأنفاسه التي تتلقفها ذوات أخرى ليست بالسوّية الفكرية نفسها، ولكنها بالضرورة متأثرة بما تتلقفه من المحيط الذي وقعت في أسره من كل الجوانب.
والاستلاب أنواع كثيرة، تتباين وتتناغم بحسب الشرط الوظيفي والموضوعي لتلك الذات المستلبة، فالاستلاب العقلي، يقود بالضرورة إلى الاستلاب الفكري والثقافي، وبالتالي يفرض نهجه على تلك السلوكيات، والطبائع المرتبطة بتلك الذات المستلبة على كل المستويات، الاجتماعية، النفسية، الفكرية، الثقافية، والحياتية اليومية! وتنتفي هنا بالضرورة المطلقة، مقولة ديكارت الشهيرة (أنا أفكر، إذا أنا موجود)! ويمكن اختزال كل قضايا الاستلاب ومؤثراته السلبية في هذه المقولة غير المكوّنة، عند الكائن المستلب! وذلك لأنه من شروط وجود الكائن العقلاني، الذي يمتلك الذات الحرّة، المستقلة، هو التفكير، ومن شروط الاستلاب الأساسية منع التفكير (الموضوعي، العقلاني، البنّاء، والخلاّق)، لدى هذا العقل أو ذاك.
ومنه يمكننا أن نشتق أن الاستلاب قد يكون لمجتمع بأكمله من خلال تفريغ روحه الإبداعية أو تجفيف منابع ثرواته أو قدراته الذاتية على مواجهة المخططات التي وضعت له. وقد كانت الثورة الإعلامية والتقنية تحت مظلة ما سمي بالعولمة أكبر عملية استلاب فكري وثقافي لمجتمعات لم تستطع قوننة الانضباطية عن طريق تكريس وطنية الانتماءات القبلية أو المذهبية بهوية وطنية جامعة تكرس تفضيل الوطن على أي انتماء آخر مع احترام المعتقدات والأفكار التي يؤمن بها أشخاصها ضمن منظومة الدولة، وكان غزو ثقافي غزير ومثمر أفقد الهويات الوطنية ألقها وبث الفرقة والتشتت ومنح الغريزة رقم واحد في توجيه البشر عبر زيادة الغريزة الاستهلاكية وعبادة المال وزيادة الإباحية الجنسية، مع عملية تفقير مبرمج وعرقلة الدور التنموي العادل للدول. لقد كانت مرحلة الاستلاب الغربي مبرمجة بدقة للوصول إلى ما تبنّوه من الفوضى المدمرة الهدامة للغير والخلاقة لما يماشي ويساير استراتيجيتهم، وقد كان للتفريغ الفردي وما نجم عنه من تفريغ جماعي الدور الأهم لنجاح هذه المخططات عبر سلب التفكير الفردي واستلابه وتضليله وحرمانه مما يشبع بطنه وتنمية غرائزه، وبالتالي تخف مناعته الوطنية والانتمائية ويعود لسياسة القطيع الجمعي المضلل والموجه إعلامياً ريثما يوصل إليه عبر مضادات حيوية تعيده إلى جادة التفكير والصواب.
لقد شهد التاريخ الإنساني، على مرّ العصور صوراً لاستلابات فكرية، عملت كالسيف القاطع في حياة الكثير من مجتمعات العالم وأممه، وغيرت مسارها التاريخي، والاقتصادي والسياسي. وربما تكون من المغالطات الفكرية الكبيرة، أن يدّعي البعض أن أنواع الاستلاب ليست كلها سلبية بالضرورة، لا بل هم يغالون في طروحاتهم، ليثبتوا أن الاستلاب الفكري قد يكون بناءً، ومن هنا يعملون على إلغاء كل ما يخالف طروحاتهم، ويوجهون الناس والمجموعات الإنسانية التي تقع تحت سيطرتهم، باتجاه هذه الفكرة؟! وهذا الطرح طبعا، هو بحد ذاته نوع من الاستلاب، حين تعمل على فكرة واحدة، وتدّعي بأن المجتمع لايحتاج إلى غيرها، ويجب عدم السماح لغيرها بالوجود، أو الانبثاق، أو حتى التبلور، فهذا يكون أحد أهم الأسس التي يبنى عليها الاستلاب، وتحديداً العقلي منه، وبالتالي تسير الناس موجهة، غير مخيّرة، مستلبة، ومأخوذة إلى احتمالات الخير والشر على حد سواء، وفي كثير من الحالات تكون الأثمان على المستوى الفردي والجماعي باهظة كثيراً، تتجاوز ربما مقدرات مجتمع ما أو فرد ما على تحملها، أو الخروج منها معافى. وكل ذلك للوصول كما ذكرنا إلى الاستلاب الاقتصادي.
فالاستلاب الاقتصادي وهو الأهم والأكثر عملاً عليه من قبل القوى الامبريالية وأدواتها ليحقق أهدافهم الآنية والاستراتيجية من حيث ضمان التبعية المطلقة واستمرارية ثنائية سوق تصريف لمنتجاتهم ومصدر للمواد الأولية. الهدف الأهم للاستلاب الاقتصادي هو عرقلة دور الدولة قائداً ومخططاً ومنفذاً لعمليات التنمية، وعرقلة التنمية من أخذ أبعادها مستقلة مستمرة متوازنة بما يضمن الاستقرار الاجتماعي الناجم عن العدالة في توزيع الثروات والقضاء على الفقر والبطالة ومسببات الأمراض الاجتماعية القاتلة كالطائفية والإقليمية والصراع الطبقي والأيديولوجي، وقد يكون استراتيجياً استلابهم عن طريق صنع شخصيات تابعة لهم ومقادة وتوصيلها إلى مراكز صناعة القرار، أو صناعة شخصيات مالية اقتصادية مسيطرة من الصعب تجاوزها على حساب دور الدولة، والقضاء على أهم مقومات الأمن الاقتصادي والصناعي والغذائي من أجل زيادة الثروات وتكديس الأموال للاستخدام في الوقت المناسب لزعزعة أي بلد لا يسير وفق برامجهم ووفق طلباتهم. وقد يستخدم هؤلاء حتى ولو لم يكن هناك طلبات فقط لتنفيذ المشروع الخارجي القائم على التهديم والتدمير والقتل فقط لعرقلة النمو والتنمية وتهديم البنى الداخلية. وقد كان العنوان الاقتصادي للاستلاب من أهم ماعُمل به في العقود الأخيرة وخاصة بعد تساقط التجربة السوفيتية وعمل واشنطن على تجفيف أي فكر اشتراكي يقوي دور الدولة ويعمل على سيادتها على القرار الاقتصادي، لعولمة العنوان الأمريكي الواحد النيو ليبرالي، وهذا ما كان العنوان الرئيسي لمؤتمر واشنطن وأنيطت بالمؤسسات الدولية تنفيذ برنامجه الداعي لسحب يد الدول من قيادة العملية الاقتصادية: الخصخصة، قتل القطاع العام، تحرير التجارة، رفع الضرائب، وتخفيض الرسوم الجمركية، منع الدول من تقديم أي دعم اجتماعي موازن للمجتمع ومخفض للفقر وصاهر للنسيج الاجتماعي. وكانت الولايات المتحدة وأتباعها قد جهزت الشخصيات اللازمة للسير بهذه البرامج بتضليل القيادات من ناحية وترهيبهم من ناحية أخرى، والمهم زعزعة الاقتصادات وقتل الاستقلالية والاكتفاء الذاتي، وترافق هذا مع غزو ثقافي عنيف وعولمة لكل أساليب الانحراف والإباحية وصناعة حركات إرهابية هدفها تشويه الأديان وحرفها عما وضعت من أجله وتنفير الناس ومجتمعاتها من الأديان وخاصة الاسلامية لتفكيك وتفتيت المجتمعات التي لعب الدين دوراً هاماً في الوصول لنسيج قوي إضافة لحياة سياسية جيدة نوعاً ما لعب على تفريغها من كل أبعادها والحفاظ عليها كجسد بلا روح من أجل منع أي جديد أو تجديد، وبالتالي البناء الصحيح المنظم لدولة قوية ذات مؤسسات منضبطة فاعلة وقانون ناظم وفصل الدين عن الدولة الذي لا يعني إلغاء الدين وإنما حمايته من مفاسد السياسة وإظهار جوهره الانساني البناء وعودة الروح للمؤسسة التعليمية والقضائية، والعمل على إطلاق أحزاب وطنية صادقة وإصلاح ما وجد منها، مع سياسة إعلامية واضحة باتجاه البناء العقلي الوطني في ظل أزمة أخلاق ووطنية فاضحة كشفت عنها الأزمة كفيلة بإعادة توجيه البوصلة بالاتجاه الصحيح… الكل خطّاء وخطأ عن خطأ يختلف، ولكن إن لم يثقب فتحة للنور عبر جبال الظلام الإمبريالية فالكل سيكون خاسراً بسوداوية أكبر، ولا أحد يظن أن الغرب يدافع عن حقوق الانسان أو يدافع لتأخذ الشعوب حريتها، هدف الغرب وأمريكا قطع أي تجربة ديمقراطية حقيقية وقد يعاقب من يحاول أن يعطي هوامش كبيرة لشعبه، وأخيراً النهج الاقتصادي الذي يراعي الخصوصية السورية هو الذي يحقق العدالة عبر عودة الدولة لضبط العملية الاقتصادية ولقيادة البلد عبر تنمية مستقلة مستمرة متوازنة كفيلة بقطع الطريق على الكثير من خطط السلب والاستلاب وفرملة دور أدواتها المعتمدة لسلب دور الدولة وروح مؤسساتها.