الأمم المتحدة والدم السوري
ما أن انطلقت جولة المشاورات في جنيف حول الأزمة السورية، حتى صرح ستيفان ديوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، قائلاً: (إن الأمين العام ليس متفائلاً بالمشاورات التي تجري في جنيف بشأن الأزمة في سورية، وإنه يقيّم فرص نجاحها انطلاقاً من الواقع). هذا التصريح يدل على أن النهج الذي تسلكه الأمم المتحدة إزاء المحادثات التي تجري حالياً في جنيف بشأن الأزمة السورية يتسم بالحذر الشديد لتتجنب إثارة التوقعات والآمال بأن هذه المبادرة الأخيرة يمكنها إنهاء الأزمة التي تعصف بسورية منذ منتصف آذار من العام 2011 والتي لم تنجح كل الجهود الدبلوماسية حتى الآن في تسويتها.
كل ذلك يجعل المواطن السوري، الذي ذاق المرّ بسبب هذه الأزمة وتداعياتها التي أثقلت كاهله، يتساءل: هل الأمم المتحدة جادة في وقف نزيف الدم السوري وقادرة على الضغط على القوى الراعية والداعمة للإرهاب الوافد إلى سورية كي توقف دعمها المالي والعسكري لهذه الذئاب البشرية التي ما زالت تنهش أجساد الأبرياء كي تشبع شهواتها ورغباتها، خصوصاً بعد أن فشلت خطة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي مستورا حول تجميد القتال في مدينة حلب، بسبب عدم قدرته على انتزاع الموافقة من الدول الراعية للإرهاب بسبب مصالح إقليمية سعودية – قطرية، وداخلية تركية، دون إغفال الدور الإسرائيلي المسكوت عنه إقليمياً ودولياً؟!
رغم ذلك، قررت الحكومة السورية السير قدماً إلى الأمام متسلحة بالمبادئ التي اتُفق عليها في موسكو رغبةً منها في استثمار أي جهد سياسي قد يؤدي إلى وقف نزيف الدم السوري وتهيئة الأرضية المناسبة كي تتمكن من دحر الإرهاب الوافد إلى البلاد والحفاظ على وحدتها، بعد أن عاد الحديث عن مخططات لتقسيم سورية وفق أسس قومية ومذهبية، وخصوصاً في الشمال والشمال الشرقي حيث يكون النفوذ الاقتصادي والسياسي لأنقرة، والتشريع وهابي للرياض، لتري العالم أجمع (سمّو) نظامها ورقي عاداتها وتقاليدها، الأمر الذي يجعل أي أمل بحل سياسي يشوبه الغموض. بينما نرى على الجبهة الجنوبية محاولات لتل أبيب كي تُقنع المسلحين بتبني منهج الاعتدال كي يستفيدوا من (المساعدات العسكرية غير القاتلة) الأمريكية.
لقد صرّح الجميع أن الحل السياسي هو المدخل الوحيد لوقف نزيف الدم السوري ومنع لهيب النار السورية من الامتداد إلى جميع دول المنطقة، لكن للحلول السياسية أنواع، وهي:
– حل يقوم على أساس الرضا بالأمر الواقع وقبوله، وهو الحل الاستسلامي.
– حل يقوم على أساس أخذ ما يرضى الطرف الآخر بإعطائه، وهو الحل التقليدي لأنه يقوم على أساس المفاوضات.
– حل يقوم على أساس انتزاع كل ما يمكن انتزاعه باستعمال العنف مضافاً إليه دعم العوامل الخارجية.
– حل يقوم على أساس الإصرار على الخطوة الأخيرة قبل أن تبدأ الخطوة الأولى، إذ يطلب الطرف الذي يلجأ لهذا الأسلوب ما هو أكثر من قوته الذاتية الداخلية وقوة داعميه الخارجية. ويسمى هذا الحل في الأدبيات الماركسية اللينينية (الحل الطفولي) وهو نوع من أحلام اليقظة التي يمكن أن تكون سبب ضياع الممكن في محاولة تحقيق المستحيل.
أما الحل السياسي الأمثل للأزمة السورية الذي لا يعارضه الإنسان المحب لأرضه ووطنه، العاشق لتاريخه وحضارته، فهو الحل الذي يحافظ على الدولة ومؤسساتها لأنها السد والحارس لمواجهة الغزو التكفيري والفكر الرجعي الذي شكل الحاضنة الأولى للإرهاب، واللاجم لقوى الظلام التي تعمل على إثارة النعرات الطائفية والدينية والقومية والمناطقية في نفس المواطن السوري، والحاضنة لجميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والعقائدية والدينية. والخطوة الأولى على درب إعادة بناء سورية كي تكون منارة للمنطقة يجب أن تكون بالتوافق على صياغة إعلان مبادئ يضمن مشاركة جميع القوى الوطنية المعادية للإرهاب والفكر الرجعي كي تتمكن من بناء سورية الحرة المستقلة، الديمقراطية العلمانية.