ندوة تضامنية في اتحاد الكتاب العرب بدمشق

عقدت ندوة في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، بمشاركة وفد أردني ضم أعضاء في رابطة الكتاب الأردنيين، وشخصيات من اللجنة الشعبية الأردنية للتضامن مع سورية، وشارك في اعمالها على مدار يومين (18-19/11/2013) كتّاب وباحثون وإعلاميون، وناقشوا أربعة محاور هي: آفاق العمل العربي المشترك، الأمن الثقافي العربي، أبعاد الأزمة السورية عربياً ودولياً، المواطنة وآفاق الحل السياسي.

وحضر الندوة د. خلف المفتاح عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والأستاذ أحمد الأحمد عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية الأمين العام لحركة الاشتراكيين العرب، والأستاذ إلياس مراد رئيس اتحاد الصحفيين، والدكتور نضال الصالح معاون وزير الثقافة، وشخصيات أكاديمية وإعلامية وأدبية.

افتتح الندوة د. حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب، ورحب بالوفد الأردني، وأكد أن دمشق ستبقى منبراً للعرب جميعهم، وأن الندوة استمرار لسلسلة ندوات مهمة عقدها الاتحاد وشارك فيها باحثون ومهتمون بالعمل العربي المشترك، ومثقفون من دول عربية وصديقة. ولفت إلى ضرورة تضمين أوراق العمل المقدمة والمداخلات اقتراحات ملموسة.

واقترح د. نضال الصالح الذي مثل وزير الثقافة أن تجري حوارات بين الروابط والمؤسسات الثقافية العربية حول المتغيرات الأخيرة في المنطقة العربية، وعقد لقاءات دورية للمثقفين العرب، وأن تتوافر حواضن للأفكار والمشاريع الثقافية.

وتحدثت السيدة منيرة قهوجي رئيسة الوفد الأردني عن الصورة المشرفة التي قدمها الشعب السوري المساند لجيشه، وعن دفاع سورية عن الكرامة العربية، ونقلت تحيات رابطة الكتاب الأردنيين واللجنة الشعبية الأردنية للتضامن مع سورية، وتقديرهما لصمود سورية وتضحيات شعبها.

وتحدث الإعلامي عيسى شتات عن محنة الكتاب الأردنيين، إذ أغلقت صحف عديدة، وبات كتاب عديدون بلا عمل أو مورد، ودعا إلى تحصين الكتاب ودعمهم ضد إغراءات (البترودولار).

ولفت د. جورج جبور رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة إلى ضرورة تعريف العرب أنفسهم بأنفسهم، بدلاً من الدور الذي تقوم به الوكالات الغربية، وذكّر بساطع الحصري الذي سهّل وصول الكتاب العربي إلى الأقطار العربية كلها، وأنشأ معهد البحوث والدراسات العربية العليا بالقاهرة.

وقال الكاتب الأردني علي حتّر: قادمون إلى سفينة نوح لتنقذنا من العاصفة، ودمشق هي البوصلة، واقترح أن ينزل الكاتب إلى القاع الاجتماعي، وأن يتقن لغة الشعب.

واقترح د. عبد الهادي نصري عضو أمانة الثوابت الوطنية بحلب أن يتم التركيز على حماية الثقافة العربية من التشويه، وأن يعزز حضور الدور القومي في العمل الثقافي، ورأى أن مداد العلماء في ميدان الحق يرقى إلى مستوى دماء الشهداء.

ولفت الإعلامي رياض طبرة إلى أن معظم الدول العربية أخطأت في التعامل مع الأزمة السورية، وكان متوقعاً أن تسعى لتحقيق مصالحة بدلاً من شحن الأسلحة للإرهابيين. ورأى أن شعارات كثيرة وظفت منذ عام 1967 لإنتاج الفساد والاستبداد، وأن الوحدة العربية هي الممنوع الأساسي بعرف المحور الإمبريالي الصهيوني.

ودعا صلاح الزعبي عضو الوفد الأردني إلى حماية المنطقة العربية من مشاريع الدول المتأسلمة. وقدم الرفيقان باسم عبدو، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، وخليل البيطار عضو اللجنة المركزية للحزب المشاركان في أعمال الندوة رؤية الحزب للخروج من الأزمة السورية، ولفت الرفيق باسم إلى أن أساس الأزمة تراكمي، وساهمت عوامل داخلية وخارجية في التعقيد، والمسألة الرئيسة الآن هي الصراع مع الفكر الظلامي، ومهمة القوى التقدمية والديمقراطية هي التحالف ووضع برامج مشتركة، والاستفادة من الدروس القاسية كي تستعيد حركة التحرر العربي وهجها.

وقدم الرفيق البيطار مداخلة بعنوان (المواطنة وأفق الخروج من الأزمة)، لفت فيها إلى مقدمات الأزمة السورية وتفاعلاتها وتداعياتها الخطيرة على وحدة الوطن ومستقبل المنطقة، وإلى حالتي الاستقطاب والانقسام من جهة، وتشوّش النخب السياسية الفكرية من جهة أخرى. ولخص وجهة نظر الحزب الشيوعي السوري الموحد للخروج من الأزمة، عبر وقف العنف وإطلاق سراح موقوفي الحراك السلمي، ورفض التدخل الخارجي بكل أشكاله، وإطلاق حوار سياسي واسع يلبي طموحات الشعب، واقترح عقد ندوة حول (حرية المبدع).

وصدر عن الندوة بيان مشترك تضمن عدداً من التوصيات أكدت أهمية دعم سورية في مواجهة العدوان، وتعميم ثقافة المقاومة، ودعت القوى الشعبية والثقافية إلى رفض التدخل الخارجي في سورية، ودعم حقها في مواجهة الإرهاب.

وقد أصيبت الحافلة التي أقلت أعضاء الوفد في طريق العودة إلى الأردن بانفجار عبوة ناسفة قرب الطريق في محافظة درعا، وأصيب خمسة منهم بجروح طفيفة، وسارع اتحاد الكتاب العرب إلى إصدار بيان دان فيه العمل الإرهابي الهمجي، وذكر الجهات الداعمة والممولة للمجموعات الإرهابية أن الاعتداء على الكتاب والإعلاميين والمدنيين الأبرياء انتهاك صارخ لأبسط الحقوق الإنسانية والقيم المتعارف عليها، وأن مثل هذه الأعمال الهمجية تقدم خدمة مجانية لمشاريع تفكيك المنطقة والهيمنة على مقدراتها، وأكد أن سورية ماضية في مواجهة الإرهاب، وهي تقدر مساندة الكتاب والإعلاميين ولجان التضامن الشعبية في الدول العربية والصديقة جميعها.

 

المواطنة وأفق الخروج من الأزمة: مداخلة ممثل الحزب الشيوعي السوري الموحد.. في الندوة 

 

 قدم الرفيق خليل البيطار مداخلة الحزب الشيوعي السوري الموحد بعنوان (المواطنة وأفق الخروج من الأزمة) هذا نصها:

(سأريكِ ما يمكن للإنسان أن ينجزه)!

أرنست همنغواي ـ (الشيخ والبحر)

بلغت الأزمة التي تعصف بوطننا سورية مستويات من التعقيد، هددت عيش المواطنين السوريين وأمنهم، وألحقت أضراراً بالنسيج المجتمعي المتماسك والمتناغم، وعرقلت الانتقال الطبيعي للمجتمع السوري إلى مرحلة تلبى فيها الحاجات الأساسية المشروعة التي يكفلها الدستور، وعطلت الخطط التنموية الضرورية لتطوير القطاعات الإنتاجية، وخلقت صراعات (أدارتها أطراف دولية ودول إقليمية) ودفعت مجموعات إرهابية تكفيرية تحت الطلب لتنفيذ خططها، وسخرت وسائل إعلامية وأدوات استخبارية نافذة لخدمة حساباتها الاستراتيجية، ومشروعاتها المعلنة لإعادة تشكيل العالم ومنطقة الشرق الأوسط بحسب مصالحها.

وأزمة مركبة بهذا التعقيد والتفاعلات والتجاذبات والصدامات، في بلد يقع في قلب منطقة تتقاطع وتتصادم فيها وعندها المصالح والتناقضات، وتتشابك الملفات العربية والإقليمية، في عالم يعيش تحولات فرضتها مرحلة عليا من رأسمالية متوحشة، بدت معها قواعد القانون الدولي عائقاً أمام أطماعها، فخلقت فوضى معممة، وابتدعت ذرائع لتسويغ جرائمها وتجاوزاتها لهذه القواعد، أزمة مركبة كهذه حولت مطالب الشعب السوري وشعوب المنطقة عن مسارها السياسي السلمي المشروع، والمتضمنة رفض الهيمنة، وحماية وحدة الوطن وسيادته وتحرير الجولان والأراضي العربية المحتلة، وتوسيع مفهومي المواطنة والمشاركة، بما يتيح فضاءات أوسع من الحريات السياسية والإعلامية. وشراكة فعلية في إدارة الدولة، ويؤمن فرصاً متكافئة للعمل وتوزيعاً عادلاً للثروة الوطنية.

وأزمة مركبة بهذا القدر من الانعطافات والتعرجات خلقت حالة من التشوش لدى النخب السياسية والفكرية والإعلامية، ودفعت مثقفين كثيرين إلى الانكفاء والسلبية ومغادرة مواقعهم التنويرية.

ودفعت عدداً منهم إلى استحضار رغبات غير واقعية، أو تصديق أوهام تضخها وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، وجرى الخلط لدى هؤلاء بين التحليل العلمي الموضوعي للوقائع، وبين التوقعات والاستنتاجات الساذجة.

وقد أظهر الشعب السوري ومكوناته الحية وشرائحه الأساسية (عمال وفلاحين وحرفيين ومثقفين عضويين وصناعيين وطلبة جامعات وربات منازل) سمات نادرة صقلتها تجارب الجيش في هذه المواجهة الصعبة، وإصرار على حماية استقلال الوطن، ومساعدة المنكوبين والمتضررين.

ويحضر في هذا السياق قول للعلامة الشيخ عبد الله العلايلي جاء فيه: في الجماعة الإنسانية اليوم مفهومان: مفهوم يضعها موضع التدجين، ومفهوم يضعها موضع رغباتها الحية وأمانيها المتطورة، وهل بين أن تكون إنساناً سوياً ـ كما صنعتك يد الله ـ وبين أن تكون من سقط المتاع كما يريدونك ـ محل للاختيار؟ أؤكد أن في المشكلة المطروحة غباوة، والغباوة ليست في صفوفنا نحن الشعوب!

وقد قدم الحزب الشيوعي السوري الموحد رؤية مبكرة لمعالجة الأزمة منذ الأيام الأولى التي بدأ فيها اتساع العنف والصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية الفظة في بلادنا، وتمثلت في وقف العنف وإطلاق سراح موقوفي الحراك السلمي، ورفض التدخل الخارجي بكل أشكاله وتجلياته، وإطلاق حوار سياسي واسع يفضي إلى تغييرات جوهرية تلبي طموحات الشعب السوري المشروعة، وتوسع الحريات ومضمون المواطنة الحقة.

وأجرت أحزاب ونقابات وهيئات سورية عديدة ندوات وورشات حوار، بهدف اجتذاب أطراف الشعب السوري وقواه إلى إجراء حوار سياسي صريح وشفاف يفضي إلى حل سياسي سوري سوري، ويقطع الطريق على محاولات تفكيك النسيج الوطني عبر صراعات مذهبية ومناطقية وحدودية، تنحدر بالدولة إلى حال من الفشل. ويبعد فعل الحوار ـ الضروري عند كل انعطاف أو تحول ـ عن الموسمية والاستعراض، ويوضح أطره ومخرجاته.

وأعتقد أن الندوات التي نظمها اتحاد الكتاب، ونشر نتائجها في دورياته، شكلت إسهاماً جدياً في تعميق ثقافة الحوار  وإدارة الاختلاف في الآراء، وفي تنوير الرأي العام بخفايا الأزمة وتفاعلاتها المستجدة والخطيرة.

وأرى أن حالة من الانحدار فرضتها منذ عقدين ونيف إمبريالية مأزومة، ضيقت فرص الدبلوماسية والحوار لحل الملفات الشائكة في منطقتنا وفي العالم، و(شرعنت) غزوها واحتلالها وتهديداتها وحروبها المتعددة الأشكال (استخبارياً وإعلامياً ومالياً) وافتعالها الأزمات واحتيالاتها المصرفية، شكلت إعاقة لكل فعل داخلي أو إقليمي أو دولي للسير بالحوار السوري وبالحل السياسي الذي أقر إلى مبتغاه. وهذه الإعاقة التي أخرت عقد مؤتمر جنيف ،2 وتحاول وضع شروط وعقبات ونتائج مسبقة قبل انعقاده، في مخالفة صريحة لما تضمنه اتفاق جنيف الأول في حزيران ،2012 لا ينبغي أن تؤخر الحوار السوري الداخلي، بمشاركة أطراف المعادلة السورية في السلطة والمعارضة السلمية، عبر تطمينات ملموسة تكسر السلبية التي سادت طويلاً قبل الأزمة، ثم زادت الأزمة من ثقلها، وأضافت شكوكاً وهواجس وردود فعل انتقامية وأوهاماً وانكسارات وشروخاً.

ويستطيع الكتاب والمثقفون والإعلاميون ورجال القانون والعلماء ورجال الدولة السوريون أن يسهموا أكثر في خدمة الشعب السوري، كي يستعيد أمنه وعيشه الكريم، وكي تخرج سورية من أزمتها موحدة وسيدة ولها دورها الفاعل المعروف في محيطها، وفي الموقع المتقدم لحركة الشعوب المدافعة عن حقوقها ضد قوى الهيمنة والاستقواء، ويكون ذلك بالقفز من مقولة (أطالب وينبغي) إلى (لنعمل معاً) على حد تعبير العالم المصري د. أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء. والشعب السوري – ورواد المشروع النهضوي والتنويري الذين تخرجوا في صفوفه شجعوا التفكير والاختلاف، ولم يرتضوا التكفير نهجا ووسيلة للنظر إلى الآخرين يستطيع أن يتجاوز هذه المحنة بعزيمة جيشه وتضحياته الجمة.

وأتساءل في هذه العجالة، وعلى هامش هذه الفعالية الثقافية والحوارية في أنه إذا كانت حقوق المواطنة وحريات المواطن منقوصة، وراكم ذلك غضباً واحتقاناً وسلبية معيقة للسير ببرنامج الحل السياسي، فكيف هي حال حرية المبدع؟ وأقترح أن يكون السؤال الأخير محور ندوات يتعاون فيها اتحاد الكتاب مع اتحاد الصحفيين ونقابة المحامين.

كما أن مفهومي الدولة المدنية المؤسسية الديمقراطية والمواطنة مترابطان، وبتحققهما تتضح الحقوق والواجبات نصاً وممارسة، وتغدو التعددية السياسية واقعاً ملموساً.

وأختم بقول للباقلاني: جملة الأمر أن نقد الكلام شديد، وتمييزه صعب، وبقول لينين الذي أورده في مقالة بعنوان: (الخلط بين السياسة وعلم التربية)، جاء فيه: النهوض يعني توسيع العمل والنفوذ بين الجماهير، ودون ذلك يتحول النشاط السياسي إلى خشخيشة.

يجب دائماً تعليم الجديد، ومعرفة التقرب من أقل ممثلي الطبقة العاملة تعلماً وتطوراً، برفعهم بصبر ورباطة جأش إلى مستوى الوعي الاشتراكي الديمقراطي، لا بالكتاب وحده، بل بالمشاركة في النضال اليومي.

العدد 1195 - 23/04/2026