قصيدة النثر وشرعية الوجود

لطالما دار السجال حامياً حول قصيدة النثر بين كتّاب هذه القصائد والمتحمسين لها من النقاد والمتذوقين من جهة، والشعراء والنقاد الذين يعتقدون بأن شكل قصيدة النثر لا يدخل في النوع الشعري، وإنما هو نثر يستعين ببعض أدوات الشعر. ورغم أن السجال في جزء  كبير منه ليس شعرياً يركز على الخصائص والمواد التي تتشكل منها قصيدة النثر، إلا أن التساؤل حول شعرية قصيدة النثر سيظل برأي الناقد فخري صالح قائماً إلى أن يصبح هذا الشكل من أشكال الكتابة الشعرية المعاصرة، وتعترف به المؤسسة الأكاديمية والتعليمية كذلك، فيقرأه طالب المدرسة الثانوية وكذلك الطالب في أقسام الجامعات).

إذاً، دون هذا الاعتراف الذي تقف دونه تقليدية الجامعات والقائمين على تأليف كتبها المقررة، ستظل قصيدة النثر تخوض سجالاً دامياً للحصول على مقعد في بيت الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، وسيشكك في نسبتها إلى الشعر شعراء أسسوا للحداثة الشعرية العربية المعاصرة تحت ضغط الذائقة السائدة وضغط الموروث الشعري.

لتغيير هذا الوضع سيتحمل المشتغلون على هذا الشكل من أشكال الكتابة الشعرية العربية الذهاب في رحلة مضنية لتفجير طاقات النثر الشعرية تعويضاً عن الإيقاع الذي تؤسس قصيدة الوزن شعريتها ابتداءً منه.

لقد تحملت القصيدة العربية الحديثة بعد خروجها على العمود الشعري حملا ت كثيرة إلى أن أصبح معترفا بهاً في الأوساط التي تتحكم المؤسسة التعليمية بذائقتها وتوجهها. وأظن والحال كذلك أن قصيدة النثر بحاجة إلى هذه الفترة الزمنية نفسها لتصبح جزءاً من المنهاج التعليمي بدءاً من مستوياته الأولى، حتى ينحسر النقاش حول شعريتها، وينصب مجدداً حول غنى نماذجها وما يقدمه كل شاعر وكل قصيدة على حدة، أي أن ننتقل من الجدل حوا انتساب قصيدة النثر إلى النوع الشعري، إلى البحث في عناصر شعريتها والتعرف على العالم الداخلي لكل قصيدة مكتوبة في إطار شكل قصيدة النثر.

إن مشكلة قصيدة النثر الأساسية تتمثل في أمرين، كما يؤكد الناقد فخري صالح، الأول: هو عدم وصول كاتبيها إلى اعتصار الشكل وتطويعه لتجاربهم في تحميل الشكل الحد الأعلى من انفعالاتهم بالعالم من حولهم. والأمر الثاني هو غياب التأسيس النظري لهذه القصيدة واعتماد كل ما كتب عن قصيدة النثر العربية على شرعية وجود هذه القصيدة في اللغات الأجنبية، وذلك بالاستناد إلى كتاب سوزان برنار (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا).

وباعتقادي أن التأسيس النظري استناداً إلى ما يكتب من شعر، إضافة إلى مقدرة شعراء قصيدة النثر على إنجاز نصوص مختلفة، سيفتح المجال لاحقاً لتغيير دفة السجال  إلى مستقبل هذا الوجود  الشعري بدلاً من الدوران في حلقة التساؤل المفرغة عن شرعية سكنى قصيدة النثر في بيت الشعر العربي المعاصر.

العدد 1195 - 23/04/2026