ربيع «لوكليزيو» القصصي وفصوله الحياتية الغريبة… مقاربة لمجموعته «الربيع وفصول أخرى»

إذا كان المسرح مهتماً بتغيير العالم – على حد تعبير المسرحي الأمريكي المعروف إدوارد آلبي، فإن القصة والرواية تسعيان إلى جعله أكثر إنسانية وجمالاً، وعوالم السرد القصصي والروائي رحبة ومنوعة تجتذب القارئ إلى فرائدها ومنعطفاتها الغريبة.

ولوكليزيو الأديب الفرنسي والقاص والمترجم والرحالة هو أحد أعلام الأدب المعاصر، وأعماله أدهشت القراء بواقعيتها وغرابة شخصياتها، وبملامستها لمعاناة المهمشين في أنحاء عديدة من العالم.

ولد جان ماري غوستاف لوكليزيو عام 1940 في مدينة نيس بفرنسا، لأب بريطاني وأم فرنسية، ثم التحق بوالده في نيجيريا وهو في الثقافة، والتهم الكتب، وتفرغ مبكراً للكتابة. نشر روايته الأولى (المحضر الرسمي) عام 1963 ونال عليها جائزة رونودو.

أدى خدمته العسكرية في بانكوك عام 1967 وشهد الاستغلال البشع للأطفال والنساء في تايلاند، ثم انتقل إلى المكسيك، وصدم بتجربة الهنود الحمر، وشاركهم حياتهم، وترجم نصوصاً قديمة من تراثهم.

أثارت روايته (نجمة تائهة) التي تناول فيها محنة اللاجئين الفلسطينيين وأوضاع مخيماتهم المزرية غضب التيار المتصهين في فرنسا، وعدّ متمرداً على أساطير العالم الغربي الزائفة والمدمرة.

زوجته جيما من أصل مغربي، وأديبة أعدت بالاشتراك معه قصة رحلتهما في الصحراء الغربية بعنوان (أناس من الغمام)، وحازت أعماله جوائز عديدة أهمها: جائزة بولموران من الأكاديمية الفرنسية، وجائزة غونكور عن عمله (الصحراء)، وجائزة نوبل عن مجمل نتاجه.

من عناوين رواياته: سمكة من ذهب، وقلب يحترق، ومن عناوين مجموعاته القصصية: موندو وقصص أخرى، والربيع وفصول أخرى.

هذه مقاربة لمجموعته (الربيع) الصادرة عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1998 وترجمها يوسف شلب الشام، وضمت خمس قصص هي: الربيع، افتتان، الوقت لا يمر، زينة، فصل الأمطار.

(قصة الربيع) هي الأطول، وحملت المجموعة اسمها، تدور حول شخصية ليبي أو سابا أو (الزيانية) الطفلة التي ولدت لأم مغربية وأب إيطالي، غادر والدها الأسرة للعمل في فرنسا، ثم أبلغت الأم مريم أنه توفي،وتسرد المراهقة رحلة معاناة أمها أولاً مع ذويها، وهربها منهم وهي في السادسة عشرة، واضطرارها للعمل الشاق، ثم تخليها عن الطفلة لأسرة هرشل صاحبة (مزرعة الورد) في خنيفرة، مقابل مبلغ من المال سددت به ديونها، وقد عاملها الزوجان آبي وهرشل بمودة، لكنها وعت مبكراً وهي تنظر إلى لغة النقود أنها أشبه بسلعة، وغدت علاتها بأمها في غاية السوء.

روت ليبي وقائع طفولتها ومراهقتها،وتقلبات الفصول في شاطئ الأطلسي، ورحلاتها مع لوسيان، وتعرفها على صديقتها مورغان وزوجها ساشا الرسام، ورأت تعاسة مورغان التي اضطرت للزواج من الرسام لأنه هدد بالانتحار إن لم توافق. وقالت مورغان عن وجه ليبي إنه يصلح أن يرسم أو ينحت، لكن زوجها عجوز لم يعد قادراً على إنجاز أعمال مميزة – ص 25.

كانت ليبي تحسّ أنها نصف لقيطة، وهي مشدودة إلى عالمين وثقافتين، عالم أمها المغربي في جبال القبائل، حيث بنوزيان وطقوسهم العربية الإسلامية، وعالم أبيها في الشاطئ الآخر من البحر حيث مرسيليا التي ابتلعته ولم يعرف شيء عنه.

روت الصبية رحلاتها ومغامراتها، والتغيرات التي تتركها الطبيعة وتجارب النضج على الأفراد والجماعات، وروت مغامراتها مع الصحفي غرين المتزوج من امرأة شقراء جميلة، واكتشفت طيبة سمانة الريفية المغربية التي فهمتها وأطعمتها وأظهرت لها الجانب الإيجابي من الحياة، وأخيراً، اكتشفت أن العودة إلى الجذور وإلى غرفة أمها تشكل جدار استناد لها لمتابعة رحلة حياتها بثقة.

التغير يوهم المرء، أنه مريض، لكن الشفاء يشبه فصول الربيع، تقول ليبي: شفيت، ووصل الربيع، والآن هو هنا وأنا حرة – ص15 والعطاء سمة الإنسانية الأصيلة، تقول: كان في رسغي مورغان أساور نحاسية بلون النار، أعطتني واحدة، كانت تريد أن تعطي كل ما تملك – ص 24.

تعرفت ليبي على غريبي أطوار حاصروها من كل جانب، في مقهى العميان، ومقهى السائرين في نومهم، وفي الحدائق العامة وعلى الطرقات، يتسكعون ويبحثون عن متعة عابرة، لكنها اكتشفت في الزوجين الطيبين آبي وهرشل وفي سمانة الطيبة الصبورة كيف تستطيع المرأة أن تواجه الصعاب. ورأت أن سمانة هي مركز المدينة وقلبها، وكل شيء فيها، وقالت: تزودت من نور عينيها، إنها ملكة هذا العالم ص 58.

في قصة (افتتان) التي تشبه (سوناتا قصصية)، يروي مراهق اكتشافه جمال بنت تتشح بالسواد وترافق عجوزاً محدودية، تبيعان الورود في المطاعم، وقد أثرت فيه نظرة الفتاة إلى درجة جعلته ينتظر مرورها، أو يتبعها إلى (سكن الغرباء المهمشين المسمى (جوديكس)، وقال يصف تأثير نظرة الفتاة الجميلة منه: (غزتني نظرتها، وحررتني، وبدلتني) -ص 103.

واكتشف الشاب بعد حين أن العجوز والبنت رحلتا، وبعد سنوات ظهرتا من جديد، لكن الشابة حين لمحته، نظرت إليه، ثم أشاحت بنظرها بتعبير قاس من الاحتقار والغضب) – ص 109 ومقولة القصة أن مصائب الآخرين ومعاناتهم ليست مسألة للفرجة، وأن المتفرجين شركاء في محنتهم مع أولئك الذين تسببوا بها.

 قصة (الوقت لا يمر) تروي حكاية مراهقين زبيدة وداود، الشاب يروي ذكرياته عن الفتاة التي تسكن مع أمها في عمارة اسمها (الأيام السعيدة) مع أن الساكنين غرباء والمبنى قديم متصدع.

أمضى المراهقان أوقاتاً حلوة، وروى الشاب ابن السادسة عشرة أن صديقته كانت تقرر كل شيء، ثم أهدته صورتها وقالت له: (أريد أن تحتفظ بها من أجلي) – ص 119.

وفي أحد الأيام قضى الشابان ليلتهما على سطح إحدى العمارات يراقبان الألعاب النارية، ويكتشفان عالمهما ويتابعان حركة الشهب في السماء. ثم اختفت زبيدة وأمها، وانتاب الشاب إحساس بالفراغ، إحساس بثقل الذكريات، وكأن الوقت لا يمر لكأن الرتابة احتلت المشهد، وقال: اليوم الوحيد الموجود هو الذي تعلمت فيه كل ما يمكنني أن أتعلمه من خبرة الحياة، الحب والحرية ورائحة الجلد وطعم الشفاه والنظرة الكامدة والرغبة التي تجعلك ترتجف كما ترتجف من الخوف – ص 123.

و(زينة) قصة فتاة ذات صوت ساحر، وتومي الشاب البناء الذي لم ينجح في الدراسة، ولولا زينة فتاته التي ظل يتابعها، وهي تذهب إلى دار الأوبرا ـ ولم يعرف لماذا ينتظرها:لمات من البرد، (ولم يكن يتصور أنه يمكن ألا يراها وألا يلتقي نظرتها وابتسامتها)- ص 128.

أستاذ الموسيقا في دار الأوبرا يروي حكاية الصبية الموهوبة، التي تقدمت للمسابقة في دار الأوبرا، وتدربت، وأدهشت أستاذها، ولأنها وحيدة دعاها إلى منزله لتسلية زوجته جولييت المريضة.

وأثار اهتمام الأستاذ بالفتاة الموهوبة غيرة الزوجة المريضة، لكن زينة ظلت تقابل صديقها تومي، ولقبته (الغزال)، ثم تذهب في النهار لاكتشاف الطرف الآخر من العالم، وكانت تحدث صديقها عن مدينتها (ملّة) الساحلية، حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً والحياة أبسط وأبهج.

لكن الفتاة الموهوبة التي فازت بالمسابقة استغلت كفتاة إعلان من جانب أحد رجال المال والاعمال والعلاقات المشبوهة أوروسوني، وهذه العلاقة دمرتها، وحولتها إلى فتاة ضائعة ومدمنة، خيبت أمل أستاذها، لكن توومي لم يتخلّ عنها، وظل يتساءل: في أية لحظة بدأت سقوطها؟ ص 147. وظل يجلب لها الدواء والطعام، في الليل يعمل في تحميل الشاحنات، وفي النهار يبقى مع زينة ويصغي إلى أنفاسها، ولن يترك أي إنسان يدمرها! ص 151.

قصة (فصل الأمطار) تتحدث عن حكاية غابي كيرميزن الصبية الجميلة التي تبدلت حياتها مرات، طفولتها في فاكوا وفقرها ويتمها، ثم انتقالها إلى جزيرة بريتانيا، مراهقتها مع تي كوكو، ثم تخليها عنه فجأة، إبحارها إلى بوردو، ومقابلتها لجان الحقوقي والصناعي الثري وزواجهما، وجولتهما بالسيارة إلى شاطئ المتوسط، وإنجابها لطفل عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي استدعي الزوج للمشاركة فيها ولم يعد، فتحولت حياة الأسرة المرفهة إلى جحيم، واضطرت غابي إلى الاستعانة بالطبيب لمعالجة بكم الطفل. ثم أبلغت أن راتباً خصص لها، ولم تتبين إن كان تقاعد الزوج الذي قتل في الحرب أو إعانة من الدولة هو المال الذي يصلها، وحين قابلت تي كوكو  وسألته: لم لم تتزوج؟ أجاب: لأنك لم تشائي الزواج مني، فردت: أنت تتزوج أرملة جندي مجهول عمياء؟! ص 186 وساءت أوضاع تي كوكو، ورحل، وكانت غابي والخادمة في وداعه الأخير، ولم تبكه غابي، لكنها أحست بكسر في كيانها كله- ص 187.

وبعد عودة ابنها إيني من لندن بسبب سوء حالتها، شرح له موظف مصرف باركليز أن الراتب والنفقات التي وصلت إلى الأم هي من مدخرات تي كوكو، وقد أوصى بماله لها بعد رحيله ولا حاجة لإخفاء السر بعد الآن، ولم يشأ تي كوكو أن يبلغها بترتيباته.

وعند معرفة إيني بكل ذلك دفن أمه إلى جانب تي كوكو، وحفر اسميهما على أسمنت القبر!

قصص لوكليزيو تظهر كلفه بالمهمشين والمنكوبين والمرحلين والغرباء والمنبوذين، وقدرته البارعة على اكتشاف ما هو جميل وإنساني خلف أقنعة المعاناة والحرمان. وهو يصدمنا بمفارقاته، حين يقدم مشاهد الطبيعة وتشكيلاتها الجميلة في الفصول جميعها من جهة، بينما البشر يتيهون في تشوهاتهم، وغرائزهم، ولا يدركون ما تصنعه حماقاتهم من إيذاء وعنف وإفقار واستلاب لسواهم من ساكني بيوت الصفيح أو الأقبية، وأحياء المهاجرين والملونين.

وشخصيات لوكليزيو مغامرة وحرة ونقية وقاسية، وهي ترحل دائماً وتجوب المدن والمزارع والصحارى، وتكتشف التجارب الغنية للبشر، وتحاول إقامة الجسور بين اللغات والثقافات، وهي تشبهه في كثير من الجوانب بصدقها وانطلاقها وإنسانيتها ونبلها وقوة تحملها وغرابة أطوارها.

والسرد في القصص ينساب مثل جداول صافية، تتعانق حيناً، وتفترق أحياناً لتشكل مسارها المستقل، واللغة طلية، والقدرة على النفاذ إلى دواخل الشخصية ترينا ما يختلج في أعماقها من هواجس وخيبات وغموض وغضب، ودعوة لوكليزيو إلى تعلّم العيش من المجتمعات النقية في المكسيك أو الصحراء الغربية، حيث الغرائز تضبط لصالح ما هو إنساني وخير للجميع، هي شكل من الاحتجاج على الكوارث والبشاعات التي وسمت زمننا في العقود الأخيرة، وحولت مناطق كثيرة من العالم إلى قطع من الجحيم.

العدد 1195 - 23/04/2026