مؤتمر الحرب في ميونخ

 ترجمة – شابا أيوب شابا:

تحدّث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، في ميونيخ، ألمانيا، السبت 14 فبراير 2026.

شكّل مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC)، الذي جمع خلال الأيام الثلاثة الماضية نحو ستين رئيس دولة وحكومة، إضافة إلى مئات الوزراء والشخصيات السياسية وكبار القادة العسكريين وخبراء الأمن من مختلف أنحاء العالم، مسرحاً لتوترات حادة. غير أنّ المشاركين أجمعوا على نقطة أساسية مفادها أن المرحلة التي كانت تُخفى فيها مصالح القوى الإمبريالية خلف المناورات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية قد انتهت. وها نحن أمام حقبة جديدة تُحسم فيها تلك المصالح علناً عبر القوة العسكرية والحرب.

لم تتمحور مناقشات المؤتمر حول سبل الحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة، بل حول أفضل الطرق للاستعداد لها. إذ ترى الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة وأوربا أن الحرب ضرورة حتمية لا مفر منها.

افتتح المستشار الألماني فريدريش ميرتس المؤتمر بقوله: (لقد تجاوزنا معاً عتبة حقبة تتسم مجدداً بسياسة القوة، ولا سيما سياسة القوى الكبرى). وأضاف أن النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد لم يعد قائماً، وأنه يتعين على القوى الأوربية أن تعي هذه الحقيقة وأن (تنجز الاستعدادات اللازمة لهذه المرحلة الجديدة).

وفي خطاب حاد ذي نبرة فاشية، شنّ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هجوماً على السياسة الدولية خلال العقود الماضية، معتبراً أن الاعتقاد بأن انهيار الاتحاد السوفييتي قبل 35 عاماً مثّل (نهاية التاريخ) كان (وهماً خطيراً) تعمل إدارة ترامب حالياً على تصحيحه.

وقال روبيو: (في ظل هذا الوهم، تبنّينا رؤية عقائدية للتجارة الحرة غير المقيدة.. وفوّضنا سيادتنا بصورة متزايدة إلى المؤسسات الدولية، بينما استثمرت دول كثيرة في دول رفاه متضخمة على حساب قدرتها الدفاعية.. وفرضنا على أنفسنا سياسات طاقة تُفقِر شعوبنا لإرضاء عقيدة مناخية.. وفتحنا حدودنا أمام موجة هجرة غير مسبوقة تهدد تماسك مجتمعاتنا واستمرارية ثقافتنا ومستقبل شعوبنا). وخلص إلى أن هذه (الفكرة الطائشة) تجاهلت طبيعة الإنسان ودروس خمسة آلاف عام من التاريخ، وكلفت بلاده ثمناً باهظاً.

وبخلاف الهجوم المباشر الذي شنّه نائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس على القوى الأوربية في مؤتمر العام الماضي، تبنّى روبيو هذه المرة نبرة أكثر تصالحية، متحدثاً عن (قرون من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأسلاف، والتضحيات المشتركة). وأكد: (نحن نريد أوربا قوية).

وقد قوبل خطابه بتصفيق حار. ولعل عبارته (لا نريد أن يُكبّل حلفاؤنا بالشعور بالذنب والعار) لاقت صدى خاصاً لدى الأوساط الألمانية التي طالما دعت إلى تجاوز إرث الجرائم النازية كعائق أمام طموحاتها المتجددة في لعب دور قوة كبرى.

غير أن روبيو لم ينجح في تبديد التوترات عبر الأطلسي. فسياسات ترامب السلطوية — من تقويض الحقوق الديمقراطية، وملاحقة المهاجرين، ونشر الجيش داخلياً، وإرساء نظام استبدادي — لا تثير اعتراضاً جوهرياً لدى القوى الأوربية. كما أنها لا تعارض حروبه الإمبريالية أو استعداداته لمواجهة الصين. ففي هذا الصدد، تتقاطع مصالح الطبقات الحاكمة على جانبي الأطلسي.

وفيما تحشد إدارة ترامب قوات بحرية ضخمة ضد إيران وتلوّح بضربات عسكرية واسعة، لم يُسمع في المؤتمر صوت معارض. بل تحوّل الحدث إلى منصة لترويج عدوان محتمل جديد. وقد دُعي رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطاحت به ثورة 1979، وألقى كلمة على هامش المؤتمر، مطالباً الولايات المتحدة بقصف إيران وتنصيبه رئيساً، على غرار ما قامت به وكالة الاستخبارات المركزية مع والده عقب انقلاب عام 1953.

تتركز التوترات بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة حول الرسوم الجمركية العقابية التي فرضها ترامب على المنتجات الأوربية، وتهديده بضم غرينلاند بالقوة، ومحاولته التوصل إلى اتفاق مع روسيا متجاوزاً الأوربيين.

ويُعدّ تصعيد الحرب ضد روسيا محور (الاستعدادات للمرحلة الجديدة) التي تحدث عنها ميرتس. فقد استُخدم الهجوم الروسي على أوكرانيا ذريعة لتسريع إعادة التسلح الأوربي. غير أن تصوير روسيا بوصفها المعتدي الساعي لغزو أوربا بأسرها يفتقر إلى الموضوعية.

فمنذ تفكك حلف وارسو والاتحاد السوفييتي، واصل حلف شمال الأطلسي توسعه شرقاً، ليضمّ معظم دول أوربا الشرقية. وفي عام 2014، دعمت الولايات المتحدة وألمانيا تغيير السلطة في كييف، وشرعتا في تسليح الجيش الأوكراني. وأثارت خطط ضم أوكرانيا إلى الناتو، بحدودها الطويلة مع روسيا، مخاوف موسكو الوجودية، ما أدى إلى اندلاع النزاع. ومنذ ذلك الحين، يخوض الناتو حرباً بالوكالة في أوكرانيا، وقد تلقت كييف 380 مليار يورو من الدعم العسكري والمالي الغربي.

ومع تقليص ترامب للمساعدات الأمريكية، فإنه يُطالب الأوربيين بتحمل العبء المالي كاملاً. ولن تُسلّم الأسلحة الأمريكية إلا مقابل الدفع المسبق. ومع ذلك، لا تبدو أوربا مستعدة للتراجع، إذ تسعى إلى إخضاع روسيا وترى في الحرب وسيلة لتحقيق طموحاتها الجيوسياسية.

فقد خصصت ألمانيا وحدها أكثر من ألف مليار يورو لإعادة تسليح جيشها وبنيتها التحتية العسكرية، وتدعو إلى إعادة العمل بالتجنيد الإجباري. وأكد ميرتس أن (أوربا يجب أن تصبح فاعلاً في السياسة العالمية، تمتلك استراتيجيتها الأمنية الخاصة)، مشدداً على جعل الجيش الألماني (أقوى جيش تقليدي في أوروبا في أقرب وقت).

كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن تصبح أوربا قوة جيوسياسية، بما في ذلك تعزيز الردع النووي، مشيراً إلى حوار استراتيجي بهذا الشأن مع ميرتس وقادة أوربيين آخرين. وتعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتعزيز التعاون العسكري، مؤكداً ضرورة الاستعداد للقتال عند الحاجة.

ولا يعارض أي حزب رئيسي هذه السياسة القائمة على عسكرة أوربا، بما في ذلك الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية والخضر وحزب اليسار الألماني. كما دعم الديمقراطيون الأمريكيون في المؤتمر الدعوات إلى تشديد المواجهة مع روسيا.

ويرى المقال أن وقف خطر الحرب يتطلب حركة مستقلة للطبقة العاملة الدولية، تربط بين النضال ضد التقشف والاستبداد والحرب، وبين مواجهة جذورها المتمثلة في النظام الرأسمالي، والنضال من أجل مجتمع اشتراكي.

 

النص مترجم عن يومية (العالم الاشتراكي) لكاتبه Peter Schwarz.

العدد 1188 - 25/02/2026