مؤتمر ميونخ ٢٠٢٦
متابعة: الدكتور سلمان صبيحه:
هل هو اجتماع موسع للإمبريالية المتوحشة وكوادرها، من أجل الإعلان رسمياً عن وفاة النظام العالمي القديم، والاتفاق على ترتيبات الجنازة، ومكان وموعد الدفن؟
هل ستتحقق ولادة العالم الجديد دون آلام مخاض ودون دماء ودمار وفناء للبشرية؟! أم أن مؤتمر ميونخ ببساطة، كان بمثابة قنبلة صوتية فقط، لتحذير روسيا والصين وحلفائهما؟
تحت شعار (تحت التدمير (Under Destruction) انطلقت، يوم الجمعة ١٣/٢/٢٠٢٦، أعمال مؤتمر ميونخ للأمن بمشاركة أكثر من ٦٠ رئيس دولة وحكومة ونحو ١٠٠ وزير دفاع وخارجية، في لحظة حساسة من تاريخ القارة الأوربية.
وبحسب المصادر الإعلامية المختلفة، كانت الهواجس الأمنية الأوربية، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والضغوط الأمريكية المتصاعدة، قد هيمنت على أجواء المؤتمر، في ظل قلق أوربي متزايد من اهتزاز النظام الدولي، بينما أكد القادة ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية ومراجعة بنية الأمن في القارة.
ويعد مؤتمر ميونخ للأمن واحداً من أبرز المؤتمرات العالمية في مجال السياسة الأمنية، ويجمع سنوياً في مدينة ميونخ الألمانية مئات من صانعي القرار من مختلف دول العالم، بما فيهم سياسيون ودبلوماسيون وعسكريون وباحثون، لمناقشة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه النظام الدولي.
وتأتي أهمية المؤتمر بانعقاده هذا العام، والعالم يشهد اضطراباً مخيفاً، لم تشهده البشرية منذ نهاية الحرب الباردة، مع تصاعد النزاعات المسلحة، وتآكل منظومة القواعد الدولية، وإعادة طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التحالفات التقليدية ودور القوى الكبرى في إدارة النظام العالمي، وبحسب ما ورد في تقرير مؤتمر ميونخ للأمن: (إن النظام العالمي الذي بني بعد عام ١٩٤٥ معرض للانهيار، وذلك بفعل سياسات التدمير الشامل للأنظمة والقواعد الدولية).
وخلال كلمته الافتتاحية، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: إن قواعد النظام الدولي تتعرّض للتدمير، وإن العالم يدخل مرحلة تعتمد فيها الدول سياسة القوة بشكل متزايد. وأضاف ميرتس، إن بلاده تعمل على تعزيز قوتها العسكرية والاقتصادية، وإحياء صناعاتها الدفاعية وتطوير تكنولوجيات جديدة، مؤكداً أن الحكومة ستجعل الجيش الألماني أقوى جيش في أوربا، إلى جانب دعم صمود أوكرانياً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في مواجهة روسيا.
وشدّد -متفائلاً- على أن المواجهة مع موسكو ستنتهي بقبول روسيا بالسلام بسبب خسائرها، مضيفاً أن ألمانيا تعمل كذلك على تعزيز الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والدفاع عن النظام الديمقراطي في مواجهة أعداء الداخل والخارج.
وتابع ميرتس أن التكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، ستلعب دوراً محورياً في مستقبل الاقتصاد والدفاع الأوربي، داعياً إلى تخفيف القيود البيروقراطية وتوفير بيئة تسمح باستحداث فرص جديدة بدلاً من الانسحاب أمام المخاطر.
وأكد أن أوربا يجب أن تكون ركيزة أساسية داخل الناتو لا بديل عنه، محذراً من القبول بمستويات متفاوتة من الأمن داخل القارة.
وأكد المستشار الألماني أن العالم انتقل فعلياً إلى مرحلة عصر القوى العظمى.
وزير الخارجية الأمريكية مارك روبيو، قال:
إن العالم القديم انتهى ونحن نعيش الآن في مرحلة جيوسياسية جديدة.
– المستثمر الأمريكي المعروف راي داليو قال: إن العالم يقف اليوم على عتبة نظام عالمي جديد لم تكتب قواعده بعد، وان الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، وإنما تسبقها سنوات من الاشتباك الاقتصادي والمالي والتكنولوجي، تماماً كما حدث قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، ويرى داليو أن الصراع الأمريكي الصيني حول تايوان، يشكل أخطر نقطة اشتعال حالياً، وهو صراع قد يكبد العالم خسائر باهظة، لاتقل عن ١٠ تريليون دولار أمريكي.
من جانب آخر، وبحسب ما صدر عن المؤتمر، فإن النقاشات تركزت على النظام الدولي الذي دمرته قوى التدمير، إلى جانب ملفات تآكل النظام العالمي، وتداعيات انتهاء معاهدة نيو ستارت النووية، والحرب في أوكرانيا، وتنامي أنماط الحرب الهجينة، إضافة إلى قضايا سياسية وجيوسياسية ملحة.
ومن بين الموضوعات التي طرحت أيضاً التوتر حول غرينلاند، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رغبته في ضمها سابقاً.
وقال إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا -وهي شركة عالمية لتقييم المخاطر- إن الهدف من المؤتمر ليس شرح المخاوف المتبادلة فحسب، بل تحديد كيفية الرد عليها، متوقعاً أن يعتمد الوفد الأمريكي هذا العام لهجة أقل صدامية، وإن كانت واشنطن لن تخفف ضغوطها على أوربا.
ومنذ عودته إلى السلطة، واصل ترمب انتقاداته الحادة لأوربا، متهماً الاتحاد الأوربي بأنه (أُنشئ للاحتيال على الولايات المتحدة)، وهو ما انعكس بوضوح في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي التي تصف الأوربيين بأنهم (مهددون بالتلاشي الحضاري).
ويأتي المؤتمر في ظل أزمة ثقة عميقة بين ضفتي الأطلسي، تفجرت بشكل خاص عقب أزمة غرينلاند، بينما يأمل الأوربيون أن تسهم اجتماعات ميونخ في إعادة ترميم العلاقة مع واشنطن.
وقد اختتم مؤتمر ميونيخ للأمن فعالياته وسط أجواء مشحونة ونقاشات مكثفة حول مستقبل النظام العالمي، وقد دعت رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين إلى تفعيل (ميثاق الدفاع المشترك لتعزيز الاستقلال العسكري الأوربي). وجاءت هذه الدعوة كسياق استراتيجي للرد على تهديدات الناتو وتحديات الحقبة الترامبية، بالتزامن مع تباين مواقف دولية عديدة.
وتزامناً مع انعقاد المؤتمر، شهدت ميونخ العديد من المظاهرات الشعبية العارمة، ونُظمت الوقفات الاحتجاجية تنديداً بالحروب والتحريض، ودعماً للسلام والتعددية.
وبحسب المتابعين، فقد تركزت أبرز مخرجات ونتائج مؤتمر ميونيخ للأمن ٢٠٢٦ حول (عقيدة أمنية أوربية جديدة) لمواجهة الاضطرابات العالمية بالشكل التالي:
أولاً- مبادرة أورسولا فون دير لاين (ميثاق الدفاع المشترك)، التي طالبت بإحياء (بند الدفاع المتبادل) في معاهدة الاتحاد الأوربي، مؤكدة أن الدفاع المشترك (ليس خياراً بل التزام)، كما دعت لاستراتيجية تشمل التجارة، التمويل، التكنولوجيا، والبيانات، معتبرة أن كل السياسة الأوربية يجب أن يكون لها (بعد أمني).
كما شددت على ضرورة دمج الصناعات المدنية والعسكرية، وتسريع إنتاج الطائرات دون طيار التي باتت تسبب (٨٠% من أضرار ساحة المعركة).
ثانياً- بعض المواقف والصور التي تضمنت محاور البيان والتقارير الختامية للمؤتمر.
خلص المؤتمر إلى عدة نقاط جوهرية:
١- سياسة (كرة الهدم): حذر تقرير ميونيخ للأمن ٢٠٢٦ من صعود قوى سياسية تفضل (الهدم على الإصلاح)، مما أدى لفقدان الثقة في المؤسسات الديمقراطية عبر دول مجموعة السبع.
٢- العلاقات عبر الأطلسي: ساد جو من التفاؤل الحذر بعد خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي كان أكثر تصالحية من خطاب العام الماضي، مؤكداً أن واشنطن وأوربا (ينتميان لبعضهما) رغم اختلاف المسارات.
٣- الموقف من أوكرانيا وروسيا: وصف الرئيس الأوكراني زيلينسكي نظيره الروسي بأنه (عبد للحرب)، بينما أكد القادة الأوربيون ضرورة تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا لمواجهة الطموحات الروسية.
ثالثاً- المشاركات الدولية والنتائج السياسية.
١- بريطانيا:
أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن التزام المملكة المتحدة بالدفاع عن حلفائها (عميق كما كان دائماً)، واصفاً بريطانيا بأنها (حليف لا يتزعزع) لأوربا.
٢- الشرق الأوسط وإيران:
شهد المؤتمر تظاهرات منظمة خصيصاً لدعم المعارضة الإيرانية، تزامناً مع دعوات لموسكو بوقف تدخلاتها الإقليمية.
٣- الإنفاق الدفاعي:
أشار الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إلى تحول في العقلية الأوربية، فقد وصلت الدول إلى الأهداف المطلوبة (2% من الناتج المحلي) مع التطلع للوصول إلى 5%، مستقبلاً لتعزيز الردع.
٤- تصريحات ممثلي الإمبريالية المتوحشة ماركو روبيو و كير ستارمر المشبوهة في المؤتمر:
تقاسم كل من ماركو روبيو (وزير الخارجية الأمريكي) وكير ستارمر (رئيس الوزراء البريطاني) منصة ميونيخ لتقديم رؤى متباينة لكنها (متكاملة) حول مستقبل الأمن الغربي ، وبحسب وصف المحللين السياسيين جاء خطاب روبيو ليمثل نقطة تحول في الخطاب الأمريكي تجاه الحلفاء، إذ اتسم بالصراحة والبراغماتية، عبر ما يسمى بـ (الدبلوماسية الواقعية الصلبة)، فقد أكد أن أمن أوربا يظل مصلحة حيوية للولايات المتحدة، لكنه شدد على أن (زمن الاعتماد المطلق قد ولى)، مطالباً الأوربيين بجدية أكبر في تحمل المسؤولية المالية والعسكرية، معتبراً أن قوة حلف الناتو تكمن في (توازن المساهمات) وليس فقط في قوة واشنطن.
كما حذر من أن التهديدات لم تعد محصورة في الحدود الجغرافية، داعياً أوربا لمشاركة أمريكا في استراتيجية (احتواء التوسع التكنولوجي والعسكري) للصين.
كير ستارمر (بريطانيا) سعى لاستغلال المؤتمر لتعزيز مكانة بريطانيا كـ (قائد أمني) في أوربا ما بعد البريكست، واقترح رسمياً البدء في مفاوضات لإبرام (ميثاق أمني بين بريطانيا والاتحاد الأوربي) يغطي تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الدفاعي وتأمين سلاسل الإمداد.
كما أعلن أن بريطانيا ستواصل تقديم الدعم العسكري لكييف (مهما استغرق الأمر)، وحث الحلفاء على عدم إظهار أي علامات ضعف أمام الكرملين.
الجدير بالذكر أن السيد كير ركز في لقاءاته الجانبية على هامش المؤتمر، على أن أمن الحدود الأوربية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي البريطاني، داعياً لتنسيق استخباراتي أوسع لمحاربة عصابات التهريب.
من جهة أخرى عقد الرجلان (ماركو روبيو و كير ستارمر) اجتماعاً ثنائياً مغلقاً ناقشا فيه التنسيق بشأن الأزمات في الشرق الأوسط وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.
اتفق الطرفان (مع القادة الأوربيين) على ضرورة تشديد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على طهران، خاصة مع تزايد وتيرة الاحتجاجات المعارضة في الخارج.
ختاماً والسؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل تتجه القوى الكبرى إلى تسويات عقلانية، أم إلى حرب عالمية مجنونة تدمر البشر والحجر؟!
١٨/٢/٢٠٢٦.