من طلائع البعث إلى الوحي الشريف.. أجيال مُدجّنة خانعة
إيمان أحمد ونوس:
إن مستقبل أي مجتمع مرهون بتنشئة أجياله تنشئة علمية وأخلاقية جيدة، قائمة على تشجيع التساؤل والاستفسار تمهيداً للاستكشاف والبحث. وهذا ما تعمل عليه الدول المتحضّرة ابتداءً من مراحل التعليم المبكر- رياض الأطفال- مروراً بالمرحلة الهامة، مرحلة التعليم الأساسي التي تُعتبر المرحلة التأسيسية لتوجهات الطفل عموماً، ما يجعله حين الانتقال إلى مرحلة أعلى أن يكون متمكّناً من المعارف التي حصّلها سابقاً لتكون مفتاح خياراته لاحقاً.
أما في المجتمعات النامية والمتخلفة، تعتمد التنشئة على الاستمرار بتعزيز المفاهيم والقيم التقليدية (الدينية والاجتماعية والتعليمية) ضمن نسق تلقيني ببغاوي لا أكثر، وهذا بسبب سيطرة رجال الدين الساعين إلى نشر التعليم الشرعي من جهة وأنظمة الحكم المتكئة على منظمات سياسية تربوية من جهة أخرى بغية السيطرة على المجتمع بمختلف شرائحه.
في سورية، عمل نظام البعث منذ ستينيات القرن الماضي على بسط هذه السيطرة بشكل غير مباشر عبر أدوات وتنظيمات شملت الجميع دون استثناء، ابتداءً من الطفولة وحتى الكهولة. فأُنشئت المنظمات الشعبية التابعة له منذ السبعينيات بهدف سهولة الوصول إلى مختلف الشرائح بوسائل تبدو لأول وهلة أنها منظمات تعمل على التنشئة السليمة والتوجيه الصحيح. فكان أن أسّس منظمة طلائع البعث التي تشمل طلاب التعليم في المرحلة الابتدائية، وهي منظمة شعبية تعمل لأجل رعاية الأطفال تربوياً وسياسياً وفق مبادئ حزب البعث تحضيراً لدمجهم في مختلف الأنشطة المجتمعية اللاحقة، كما تهدف إلى تربية الأطفال على مبادئ القومية العربية والاشتراكية وترسيخ الفكر البعثي، من خلال تنمية مواهبهم وقدراتهم عبر أنشطة لا صفية ومهرجانات ومخيمات صيفية سنوية، وذلك بهدف تمكينهم من الانغماس بشكل كامل بأهداف ومرامي هذه المنظمة، إلى أن تمّ تدجين الطفولة السورية بشكل مشوّه وتفكير محدود لا يرتقي إلى مستوى النبوغ أو التنوّع خارج سطوة هذه التنظيمات التي استمرت عبر اتحاد شبيبة الثورة في مراحل التعليم ما قبل الجامعي وصولاً إلى اتحاد طلبة سورية الذي اعتقل تفكير الشباب في مرحلة التعليم الجامعي، التي من المفترض أنها ترسم ملامح مستقبل أولئك الشباب.
أما بالنسبة للتعليم الشرعي فقد تأسس في سورية مع افتتاح المدرسة الخسروية في حلب عام 1547 ميلادية في عهد الدولة العثمانية، ثم تطور في القرن العشرين مع تأسيس ثانويات شرعية حديثة كمدرسة خالد بن الوليد في حمص عام 1924 كذلك كلية الشريعة بجامعة دمشق التي تأسست عام 1954 لتصبح الركيزة الأساسية للتعليم الشرعي الجامعي، ثم تبعتها المعاهد الشرعية، غير أن هذا التعليم ازدهر أكثر في سورية منذ الثمانينيات من خلال معاهد تحفيظ القرآن والتعليم الشرعي بتشجيع من نظام الأسد الذي ظنّ أنه سيتمكّن من احتواء الإسلاميين عبر هذه المعاهد والمدارس في المرحلتين الإعدادية والثانوية. أما اليوم فقد طفا إلى السطح بشكل جلي انتشار مدارس تستوعب طلاب المرحلتين الأساسيتين في تشكيل وتنشئة الجيل، وهما مرحلة رياض الأطفال والتعليم الابتدائي، فقد انتشرت مدارس الوحي الشريف للقرآن الكريم والعلوم الشرعية والكونية، كمشروع تعليمي في سورية انطلق في شهر محرم عام 1440 للهجرة الموافق لشهر آب من العام 2018، وكما يقول المؤسسون فالمشروع يهدف إلى بناء جيل مسلم قرآني يرتقي بأحوال الأمة! فلنتخيّل هوية وانتماء هذا الجيل الذي لا يمكنه النظر خارج ما هو مرسوم له ومطلوب منه باعتبارها المرحلة الحسّاسة لرسم ملامح وأسس الشخصية والوعي بشكل عام، والمستقبل الذي ينتظر هذه الأمة وأجيالها لاحقاً.
لا شكّ أن هذين الاتجاهين في محاولتهما السيطرة على شرائح المجتمع كافة عملا ويعملان بلا أدنى شك على تدجين الأجيال من خلال عقيدة متشددة في محاولة حثيثة للسيطرة عليها فلا تقوى على الخروج من الشرانق المحيطة بها بسهولة بل بالعكس، يتم التغلغل بشكل مباشر وغير مباشر في نسغ ذهنية وتفكير هذه الأجيال التي تتشبّث حتى الرمق الأخير بما تلقته ولُقِنته من سياسات وأهداف تبدو اليوم جليّة وواضحة في المجتمع من خلال الشباب المؤدلج والمُشبع حدّ الثمالة بالفكر السلفي المتشدد والذي يعمل من خلال سلوكياته اليومية على تفكيك أواصر المجتمع، والابتعاد به عن جادة الإنسانية والتآخي. هذه الأجيال التي من المفترض الاعتماد عليها لأجل النهوض بالمجتمع باعتبارهم عماد مستقبل البلاد تغوص اليوم عميقاً في مستنقعات الجهل والارتباط أكثر بماضٍ لا يحمل في طيّاته سوى إثارة النعرات الدينية والطائفية والمذهبية، وأيضاً القومية، بحيث لا ترى هذه الأجيال في الآخر سوى عدوّ تجب محاربته على الدوام وضرورة القضاء عليه مهما كانت الأثمان باهظة.. فأي مستقبل ينتظر سورية وأجيالها اليوم وغداً؟!