فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د. أحمد ديركي:

نهنىء ونبارك للعالم أجمع، ولكل المنظمات الدولية والحقوقية وحقوق الإنسان والمنظمات اللاحكومية العاملة ليلاً ونهاراً على التنظير حول حقوق الإنسان والطفل والشجرة والحصان و… بالقرار العملي، لا اللفظي، الذي اتخذه الكيان الصهيوني بإعدام حوالي 1900 أسير فلسطيني مقاوم له. قرار اتخذ بمباركة كل أنظمة العالم، وإلا كان لنا أن نسمع صوت همس أحدهم ضدّه! حتى الهمس لم نسمعه!

قرار الإعدام مدفوع التكاليف المادية، من قبل (المُحسنين) و(المتصدقين) وداعمي (حقوق الإنسان) أي أنه قرار ينفذه صاحبه دون أي تكلفة مادية عليه. كما أنه قرار معلن على كل وسائل إعلام العدو وليس بالقرار السري، لكنه مهمل من كل وسائل الإعلام العالمية. أي أنه قرار مبارك من كل أنظمة العالم لينفذه صاحبة من دون أي إدانة ولو على المستوى البيئي! فلن تُسال قطرة حبر ضده، أو يهمس أحد ضده كي لا يحدث تلوث ضجيجي، والتلوث مسألة يعاقب عليها القانون!

وها هو ذا الكيان الصهيوني المدعوم والمماثل في فكره لكل داعميه شرقاً وغرباً يمعن في إجرامه وإراقة الدماء من فلسطين إلى لبنان، والعالم يصفق له ويرفع من مستويات الدعم ليرتكب المزيد من الجرائم! إنه عالم الجرائم الاستعمارية المباركة دينياً ودنيوياً.

هل من داعٍ للتذكير بالجرائم الاستعمارية في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ هل من حاجة للتذكير بالصهيونية وجرائمها في فلسطين منذ اللحظات الأولى لنشوئها بمباركة أوربية وصولاً إلى مجريات ما يحدث في غزة ولبنان راهناً؟

كل هذا الاجرام الاستعماري الصهيو – أوربي – أمريكي (مركب من صهيوني وأوربي وأمريكي) الذي نشهده، والمدعوم من كل أنظمة العالم بلا استثناء، يعود في أصول نشوئه إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، لأن الاستعمار جزء لا يتجزء منه. فهو أحد ركائز رفع مستويات الأرباح لهذا النمط. هل من حاجة للتذكير بالمشروع الاستعماري الأمريكي لغزة بمباركة عربية وأوربية وروسية وصينية و… مشروع (ريفيرا غزة)!

صهيونية، بعقل إجرامي، خلقتها الأنظمة الأوربية، صاحبة الامتياز في توليد العقل الإجرامي، من استعمارها لأمريكا وقتل وإبادة سكانها الأصليين ومن ثم القول أنها أرض (الحرية)، وصولاً إلى فلسطين، النموذج الأوربي المماثل لأمريكا، لكن بصيغة صهيونية.

لم تغب عن ماركس هكذا أكاذيب رأسمالية تقول بـ(الحرية)، وهي بالحقيقة استعباد بصيغة جديدة. والمسألة اليهودية في أوربا التي كتب عنها ليست بعيدة عن نقده للاستعمار، وكيف أوجد الفكر الرأسمالي الأوربي هذه (المسألة) لتكون أحد حججه الاستعبادية – الاستعمارية.

فقد أوضح مسألة وجوب أخذ كل قضية تتعلق بهذه الجماعة وفقاً للبلد، بمعنى النظام السياسي، الموجودين فيه. ففي ألمانيا لهم وضع مختلف عنه في فرنسا وصولاً إلى أمريكا بلاد أكذوبة (الحرية). فهذه الأنظمة السياسية تختلف في كيفية التعاطي مع مواطنيها، اختلافاً في جوهره يعمل على تشكيل مصالح طبقية محددة تخدم البرجوازية في كل بلد.

عندما يدعي الألماني أنه نظام سياسي، يضمن حقوق جميع مواطنيه، ويميز بينهم دينياً. ما هذا إلا كذب ضمني للقاعدة الفكرية التي يعمل على تعميمها، وكذلك الفرنسي، وصولاً إلى الأمريكي. تمييز يوجد ضمن من يميزهم (دينياً) وحدة تكاتفية تقوم على فكرة (الدين) المنتمين إليه، لأن التمييز ضدهم في ظاهره دينيّ. فيولد نوع من الشرخ الاجتماعي، المترجم عدائياً، بين هذه الجماعة (الدينية) والألماني أو الفرنسي أو… الذي يقول إنه مواطن (درجة أولى).

علاقات اجتماعية (عدائية) تولد كبتاً عدائياً غير معلن، ينفجر بصيغ أكثر عدائية وإجرامية تجاه الآخرين عندما تصل هذه الجماعة إلى موقع سلطوي. وبهذا يلعب إيديولوجياً النظام السياسي على خلق هذا الشرخ ليستغله لاحقاً في خلق مستعمراته وإبادة شعوب، ليقول إنه يطبق (الديمقراطية). وهذا ما حدث في فلسطين.

وحتى تاريخه ما زالت أكذوبة لعبة (الدين) قائمة تتلاعب بها كل الأنظمة السياسية، وبخاصة تلك التي تقول أنها لا دينية، أي الأوربية والأمريكية. اعتماداً على فضح أكذوبة التلاعب الديني من قبل الأنظمة السياسية لخلق (جماعات بشرية متوحشة) دينياً لكنها مروضة ضمن هذا النظام، لاستخدامها لاحقاً في مستعمراتها أتى سؤال ماركس: المسألة هي كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين؟ ص. 16.

تُدخل الأنظمة السياسية، وحليفتها الطبقة البرجوازية، وهم (المواطنة) المزيفة في عقول شعوبها، فتظن هذه الشعوب أنها متساوية الحقوق والواجبات. والوهم الآخر يتعلق بالحقوق، وهذا وهم آخر فهم ليسوا متساوين في الحقوق ما دام هناك أي نوع من التمييز بين المواطنين، بغض النظر عن نوعية هذا التمييز. لكن (الواجبات) ليست وهماً؛ لأن الطبقة البرجوازية تقوم في جزء كبير من مصالحها على (واجبات) المواطنين من الضريبة وصولاً إلى مفهوم (طاعة) النظام السياسي.

هنا في مسألة التمييز على أُسس دينية، خلقت الأنظمة الأوربية، وأمثالها، وهي بدايات تشكل الأمريكي، أنظمة توهم الشعوب بالمساواة، لكنها تمييز فيما بينهم على قواعد دينية. فأوجدت هذه المجموعات (البشرية المتوحشة دينياً) المروضة. جماعات لا تعي وجودها إلا من خلال وهمها الديني، متوهمة بإقامة دولها (الدينية) لتحقيق وجودها. لكنها فعلياً بإقامة هكذا كيانات استعمارية تعيد خلق جماعات مماثلة لها متناحرة معها على الوهم الديني نفسه.

تناحر وتحارب يصب في مصلحة المستعمر، لاستخدام الجماعتين المتناحرتين دينياً لتحقيق مصالحه الاستعمارية. وما الصهيونية إلا أحد الأشكال لهذا التناحر. فها هي تنتقل من الأوربي إلى الأمريكي كـ(جماعة متوحشة دينياً) تستعمر فلسطين لتحقيق المشروع الأوربي الاستعماري سابقاً والأمريكي راهناً.

كل قراءة لهذه الصراعات على أنها صراعات (دينية) أو صراع (لاهوتي) ما هو إلا تشويه للوعي الطبقي، وفي الوقت عينه تشويه لطبيعة الصراع بين فكرين هما: فكر تحرري وفكر استعماري رأسمالي. ولنبق في فلسطين، وتحديداً في مجريات أحداث الوقت الراهن في غزة.

قالها علناً الراعي الأول للاستعمار الرأسمالي دونالد ترامب: إقامة (ريفيرا) على أرض غزة. منتجعات سياحية بنجوم خمس وما فوق. لإقامة المشروع لابد من (إخلاء) غزة من سكانها وأبنيتها. فأطلق سراح (الجماعة البشرية المتوحشة دينيا)، وهي الصهيونية، لتقوم بالمهمة. قامت بالمهمة على أكمل وجه، ولحق بترامب كل الأنظمة السياسية بالعالم، لتغطية إجرام هذه الجماعة.

لكن لحظة. إن تم بناء (ريفيرا) غزة من سيقيم فيه؟ من المؤكد أن المقيمين فيه هم الطبقة البرجوازية في العالم، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية و(الوطنية) أي أن الطبقة البرجوازية هي من سوف يستثمر ويقيم بها، لا الطبقة العاملة. بعبارة أوضح ما يصور اليوم على أنه صراع بين أديان هو تشويه للوعي الطبقي في سيرورته النضالية. أليس الصهيوني – الأوربي – الأمريكي هو المستعمر لأرض فلسطين؟ أليس هو تلك (الجماعة البشرية المتوحشة) المدججة بكل أسلحة وتقنيات العالم التي تنفذ المهمة الاستعمارية على أتم وجه؟

كيف لهذا الكيان أن يُصور عالمياً على أنه (البلد الأكثر ديمقراطية) في المنطقة؟ من يعمل على منحه هذه الصورة، أليس الطبقة البرجوازية المستثمرة الساعية للاستثمار في فلسطين، لتتحول إلى مستعمرة استثمارية (ريفيرا)، وفي جزء منها (شرطي) يحمي المصالح النفطية في المنطقة.

لذا قراءة الصراع التحرري الفلسطيني مع المستعمر الصهيوني لا يتوقف عند قشور القراءة البرجوازية، بل يذهب إلى عمق هذا الصراع ليكشف زيف الادعاء البرجوازي.

القراءة الحقيقية لهذا الصراع، في جزء منها يكون وفقاً للأسس التالية:

لا ندعي أن عليهم أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية. بل نزعم أنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية. إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وإنما اللاهوتية إلى دنيوية. نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتاً كافياً في الغيبيات. تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري. ص. 17.

فكل من يقرأ الصراع التحرري لفلسطين على أنه صراع ديني، بين حركة صهيونية وحركة لا صهيونية فهو متوهم. إنه صراع بين استعمار عالمي تقوده تحالفات برجوازية عالمية ضد حركات تحرر لا تزال تبحث عن وحدتها. وهنا إحدى أبرز إشكاليات حركات التحرر ليس في فلسطين فقط بل في العالم أجمع. فهي حركات تخلت في جزء كبير عن أفكارها الشيوعية فتاهت بين الديني والقومي والإثني و… مقابل وحدة الفكر البرجوازي في مواجهتها ما يجبر حركات التحرر على خسارة كثير من معاركها التحررية. وما فلسطين إلا نموذج حي لهذا التيه الفكري لحركات التحرر العالمية.

لا نبالغ بالقول، بل لنستذكر الأحداث الأخيرة فقط. بعد أن أطلقت البرجوازية العالمية هذه (الجماعة البشرية المتوحشة) في فلسطين ولبنان وأعلنت هذه الجماعة أنها انتصرت بارتكاب أبشع جرائم عرفتها البشرية من قصف المستشفيات والفرق الطبية والاغتيالات والحصار والتجويع… في فلسطين، وتحديداً في غزة، وصولاً إلى جرائم تفجيرات (البيجر) في لبنان وقف العالم يصفق لها كما وقف زعيم هذه الجماعة على منبر الأمم المتحدة، وهي منظمة برجوازية، وأعلن عن مشروعه الاستعماري المراد تنفيذه.

هكذا أعلنت برجوازية العالم انتصار مشروعها الاستعماري بخطوته الأولى في فلسطين، لتنتقل من بعدها إلى فنزويلا، وتخطف علناً رئيسها وتنصب مكانه حليفاً لها، وتقول (النفط نفطنا)، وها هي تنتقل إلى جزيرة غرينلاند، وحالياً إيران.

هنا سؤال أمام كل حركات التحرر في العالم: لو كنتم متحدين هل كان لفلسطين أن تُهزم؟ أليس الأجدى العمل فوراً على الأخذ بمقولة (إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وإنما اللاهوتية إلى دنيوية).

إن أردتم تحقيق النصر على برجوازية العالم، منطلقين من تحرير فلسطين وصولاً إلى فنزويلا وما بينهما، أي لتحرير العالم من الاستعمار الرأسمالي ونمط الإنتاج الرأسمالي، وما يوجد من هكذا (جماعات بشرية متوحشة)، كالصهيونية وأشباها من النازية والفاشية وغيرها… وهي جميعاً مولودة في أوربا وأمريكا، أي مولودة في دول حيث نمط الإنتاج الرأسمالي أكثر تطوراً، عليكم العمل فكرياً وعملياً من (إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية…) وصولاً إلى (لا عمل ثوري بلا نظرية ثورية).

القرار لكم، فلا تلوموا شعوب العالم إن تخلت عنكم والتحقت بثقافة نمط الإنتاج الرأسمالي، ما دمتم أنتم تائهون بين (ثوريتكم) و(رأسماليتكم).

          يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال

العدد 1188 - 25/02/2026