المرأة في مجال العلوم طاقات إبداعية كبيرة

إيمان أحمد ونوس:

(يُعدُّ اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم لهذا العام فرصة نستطيع جميعاً اغتنامها للتعبير عن تأييدنا لتعزيز دور الفتيات والنساء في ميدان العلوم… ما زالت النساء أقلية في مجال البحث العلمي واتخاذ القرارات الخاصة بالعلوم، ويجب أن يبدأ التقدم الكبير المنشود عن طريق تعزيز قدرتها على الإبداع والابتكار، لأن البشرية لا تستطيع تجاهل نصف طاقتها الإبداعية. ويجب علينا إلهام الفتيات والشابات عن طريق إتاحة فرص التوجيه الوظيفي للشابات المتخصصات في العلوم لمساعدتهن على التقدم الوظيفي.. فلا غنىً للعالم عن العلوم، ولا غنىً للعلوم عن النساء…).

هذه العبارات تضمّنتها رسالة السيدة إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو في اليوم العالمي للمرأة في ميدان العلوم بتاريخ 11/2/2016 والذي أُقّر في عام 2015 فقد اتفق المجتمع الدولي على أن العلم والمساواة بين الجنسين من العوامل الأساسية في تحقيق الأهداف العالمية للتنمية المستدامة بحلول 2030.

في سورية، إذا ما ألقينا نظرة خاطفة على نسبة الفتيات في التعليم العالي، نجدها مرتفعة مقارنة مع الفتيان. ولكن إذا ما حاولنا التعمّق في الاختصاصات التي تختارها الفتيات أنفسهن، نجد أنها تقتصر على العلوم الإنسانية والطبية بنسبة تفوق حضورهن في مجالات علمية أخرى ذات صلة بالفيزياء وتقنية المعلومات والحاسوب وما شابه.

وللعلم، هذه ظاهرة لا تقتصر على مجتمعاتنا فقط، وإنما تشمل مختلف المجتمعات البشرية، لكنها في مجتمعنا تعود لأسباب موضوعية تتعلق بالمجتمع والدولة، وذاتية متعلّقة بالمرأة ذاتها.

 

الأسباب الموضوعية:

على المستوى المجتمعي:

النظرة التقليدية السائدة فيه لمسألة تعليم الفتاة وموقفها منها، والمنطلقة من صورة نمطية للمرأة لا ترى فيها أكثر من مُنجبة ومربية وخادمة للزوج والأسرة، وأنه قدرها ومستقبلها الحتمي مهما حاولت تخطيه أو تغييره، باعتبارها أقل عقلاً وشأناً ومكانة من الرجل.

حتى في البيئات الأكثر انفتاحاً والتي امتلكت الجرأة في تخطي موقف المجتمع من تعليم المرأة، فقد حصرته في مجالات واختصاصات تتطابق إلى حدٍّ كبير مع النظرة النمطية والتقليدية للمرأة كالتمريض والتدريس، وهذا ما جعل التحصيل العلمي للمرأة يقتصر على العلوم الإنسانية غالباً رغم أنها لاحقاً وصلت للطب والصيدلة.

أمّا على مستوى الدولة:

سابقاً، رغم أن الدستور ساوى بين الجنسين في مختلف الحقوق والواجبات، وأولى مسألة التعليم أهمية كبيرة، إذ غطّت المدارس كل التجمّعات السكانية بما فيها تجمعات البدو الرُحّل، إضافة إلى التوسّع في التعليم العالي، وسنّ العديد من القوانين والتشريعات التي تؤطّر التعليم ومراكز البحوث والدراسات وما شابه، إلاّ أن التطبيق الحقيقي لمختلف هذه التشريعات بقي هشّاً على أرض الواقع لأنه لم يخضع لمتابعة جديّة وحثيثة من المعنيين.

واليوم، لا يفوتنا أن نُذكّر بدور الحكومة المؤقتة في إقصاء النساء عن الحياة العامة بشكل كبير، وإصدار بعض القرارات التي تزيد من التدخّل في الحياة الخاصة للمرأة، والدعوة لممارسة بعض ما ترغبه داخل (حظيرتها) كما صرّح بعض المشايخ الذين يسيطرون اليوم على القرار بكل مفاصل الحياة السورية. لا شكّ أن هذا التوصيف – حظيرتها- هو اعتداء صارخ على إنسانية وكرامة المرأة، ولا ينمُّ إلاّ عن استعلاء وسطوة مرفوضة مهما كانت النتائج، لأن ما حققته المرأة السورية عبر التاريخ وحتى اليوم لا يمكن إقصاؤه أو تجاهله عبر محاولات إعادة المرأة إلى فضاءات الحرملك وتطبيق بعض التشريعات التي تحدّ من تعليم الفتيات وتشجّع على الزواج والزواج المبكّر.

الدور السلبي للإعلام بكل وسائله في عدم التركيز على البحث العلمي عموماً، وعدم تشجيع المبادرات الفردية أو تسليط الضوء عليها إلاّ فيما ندر.

الإعلام العربي بشكل عام يُركّز على برامج ترفيهية أكثر ممّا يُركّز على برامج العلوم وأبحاثها، ويرصد لهذه البرامج الميزانيات الضخمة في حين يُبقي على الباحثين من الجنسين مغمورين لا يتعرّف المجتمع على إنجازاتهم ليكونوا مثلاً أعلى للشباب.

 

الأسباب الذاتية:

تعود للمرأة/الفتاة وموقفها من نفسها ومن العلم، إذ لا يمكننا إغفال تجذّر الصورة النمطية التي شكّلها المجتمع عن المرأة في لا وعيها، وقد تماهت تماماً مع تلك الصورة ضدّ نفسها حين اقتنعت كلياً أنها ما خُلِقَت إلاّ لتكون أمّاً وزوجة ومربية وخادمة للأسرة، وأن أي موقف أو رأي مخالف لنظرتها تلك عن ذاتها يمكن أن تعتبره إقلالاً من أنوثتها وأدوارها المعهودة، ما يقودها للتمرّد على هذا الموقف والرأي أحياناً. ومن هنا، فهي تعتبر التعليم والعلم مسألة غير ذات أهمية وليست أولوية ما دامت ستكون في النهاية أمّاً وزوجة. وحتى حين يكون لدى الفتاة رغبة في التعليم، وإظهار ميول مُغايرة للسائد، فغالباً ما تختار الفروع الأقلُّ جهداً وزمناً كي تتمكّن من إتمام وظيفتها المعهودة (الزواج والأمومة) فلا يفوتها هذا القطار!!

لذا، ومن منطلق الاهتمام والتذكير بهذا اليوم العالمي، وأثناء بحثي عن أسماء لباحثات سوريات أستشهد بهنّ على تطور وعي المرأة السورية لذاتها ومجتمعها، يؤسفني أني لم أعثر سوى على اسمين هما: الدكتورة ميس عبسي المُدرّسة في كلية الصيدلة بجامعة حلب والتي حصلت على منحة الباحثات الشّابّات التي تقدمها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو ومؤسسة لوريال عن مشروعها البحثي بعنوان (الدور العلاجي لفيتامين د في سلامة الجهاز القلبي الوعائي وعلاقته بترقق العظام) من بين 15 منحة تقدمها المنظمة في مختلف أنحاء العالم. أيضاً الدكتورة غنوة خضور الباحثة في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، التي نالت الدكتوراه من جامعة غرونبل الفرنسية، كما نالت جائزة لوريال – يونسكو لمتابعة بحوثها العلمية في إيجاد مصادر مياه غير تقليدية في ظلّ أزمة المياه التي يعيشها العالم، وتركّزت بحوثها على استخدام مياه معاصر الزيتون كمياه بديلة للري. وقد صرّحت بهذه المناسبة أن الباحثين والباحثات في سورية يواجهون عوائق عدة، منها انقطاع الكهرباء والإنترنت وغياب الاستقرار النفسي وقلّة الدعم المادي والمعنوي. ولا تجد خضور فوارق بين قدرات المرأة العربية وغيرها إلاّ في مقدار الدعم المتوفر في الدول المتقدمة.

جدير بالذكر أن أول امرأة عالمة بالتاريخ هي الاسكندرانية هيباتيا التي ولِدت عام 370 ميلادي، وعاشت إبانَ العهدِ الروماني مع بدايةِ انتشارِ الدينِ المسيحي في العالمْ. كانت عالمةُ رياضياتٍ وفلك وفيزياء وفلسفة، وتلك مجالات كانت حكراً على الرجال، لذا تمّ سحلها في شوارع الإسكندرية لأنها تجرأت على الذهنية البطرياركية آنذاك.

العدد 1186 - 11/02/2026