فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

أحمد ديركي:

للأسف لم نعد سوى مراقبين وما دون. ندوّن الاعتداءات والجرائم وندين ثم نذهب للنوم، لنستيقظ في اليوم التالي ونمارس العمل نفسه! والمعتدي، وداعموه يتوحشون أكثر وأكثر، لغياب المشروع المقاوم لهم!

دماء، أشلاء، جثث تنهشها الكلاب، أطفال يموتون جوعاً وبرداً بسبب منع الماء والغذاء عنهم، مسنّون يموتون قهراً ومرضاً نتيجة لما يرونه ويعيشونه في كل لحظة، أسلحة محظورة دولياً تُستخدم لقتل شعب محاصر منذ أكثر من سنة، تدمر منازله التي طُرد منها، تُنهب أرضه.. كل هذا الكم من الإجرام البشري يحدث بحق شعب فلسطين، والعالم برمته يصفق للمجرم ليزيد من مستويات إجرامه.

لذا تحول من يقول لا لهذا الاجرام وداعميه إلى مراقب فحسب يدون ما يستطيع تدوينه من هذه الجرائم؛ لأن كمها أكبر من أن يدون! وفي حالات كثيرة يُمنع من التدوين فيبقى مشاهداً لهذا الإجرام ويموت كما يموت مسنّو فلسطين الذين حلمواً يوماً بفلسطين!

لا يتوقف إجرام هذا الكيان الاستعماري المدعوم من كل أشكال نمط الإنتاج الرأسمالي عند حدود فلسطين فقط، بل يتوسع إلى المحيط بها. ولبنان أحد حقول إجرامه، منذ غرسه هذا النمط وحتى تاريخه. كما أن لبنان، وتحديداً جزء من شعبه كي لا نُعمم، أحد مقاوميه منذ نشوئه. فمنذ جريمة حولا وصولاً إلى تفجيرات البيجر، وحالياً رش مواد سامة على أرض الجنوب لقتل كل حي فيها. كل هذه الجرائم الصهيونية في لبنان يشاهدها العالم بالبث الحي، لكنها في نظر العالم ليست جرائم بل أفعال (بطولية) لأنها تحقق مصالح البرجوازية الرأسمالية، لذا يوفر للكيان كل الشروط لاستكمال جرائمه.

هل نتوقف عن تدوين هذا الاجرام منذ أن غرسته الرأسمالية في فلسطين، كحد أدنى، ما دمنا فقدنا المشروع المقاوم؟ كلا لن نتوقف.

نعود إلى (المسألة اليهودية) لتأكيد دور نمط الإنتاج الرأسمالي في خلق الصهيونية لترتكب كل جريمة يود أن يتبرّأ منها هذا النمط. فهي تقتل وهو يدعمها ويبرر الفعل الإجرامي الذي تقوم به. لذا تبقى فلسطين النموذج الساطع لجرائم الرأسمالية، سواء القديمة بصيغتها الأوربية أو الحديثة بصيغتها الأمريكية، المرتكبة بأيدي إحدى أدواتها المسماة الصهيونية.

كي لا نقع في فخ دائرية التحليل الميتافيزيقي، من الميتافيزيقيا لنعود إليها، فالتحرر لبناء دولة لا يتوقف عند البُعد الديني، كما فعلت الدول الأوربية وأبقت المعتقدين بالديانة اليهودية ضمن قوقعتهم الدينية ليشكلوا كتلة بشرية منفصلة عن مفهوم المواطن. كتلة تتوهم أن دينها هو ما يميزها عن البقية في ظل هذه الدولة الأوربية أو تلك.

هنا تسقط كل مفاهيم الديمقراطية الوهمية والوطن والمواطنة وكل هذه الترّهات التي يتحفنا بها الأوربيون، وتحديداً طبقتها البرجوازية، وكذلك الأمريكيون، حالياً. فهم يريدون إبقاء هذه الكتلة البشرية متوهمة بأن ما يجمعها هو دينها، فتتخذ من هذه الحجة وسيلة لزرع هذا الكيان الاستعماري بأرض فلسطين خدمة لمصلحة الطبقة البرجوازية، الأوربية والأمريكية تحديداً وذلك أولا. ثم خدمة لمصلحة الطبقة البرجوازية التابعة في المنطقة المحيطة بفلسطين.

نعود للتذكير بجزء من أكاذيب الصهيونية وخالقها نمط الإنتاج الرأسمالي، وبخاصة ما له علاقة بمفهوم العرق. حالياً كل من يقول لا للصهيونية يتكالب العالم ضده بتهمة (معاداة السامية). السامية عرق وليست ديناً! فالعرب أصولهم من العرق السامي، لذا السامية عرق يحمل أكثر من معتقد. يرجى عدم الوقوع في فخ أكاذيب الصهيونية وكل حلفائهم مهما تعددت أسماؤهم وصفاتهم، من مفكرين وصولاً إلى رؤساء دول!

لنعُد إلى ماركس و(المسألة اليهودية)، تحديداً في أوربا التزاماً بزمن النص لا قدسيته. فما يهمنا هو المنهج لا قدسية النص، فكل قدسية للنص هي منهجياً تناقض المنهج الماركسي وتعيدنا إلى دائرة الفكر الميتافيزيقي ومن خلاله ندخل إلى دعم الفكر الرأسمالي والطبقة البرجوازية من دون أن نعي هذا. فنتحول من ماركسيين داعمي حركات التحرر في العالم إلى رأسماليين داعمين لقمع واستعباد شعوب العالم، من فلسطين وصولاً إلى غرينلاند.

من هنا فصل ماركس المسألة اليهودية وفقاً لطبيعة النظام السياسي القائم! وهنا نستكمل مع ماركس في مقاربته للمسألة اليهودية:

تكتسب المسألة اليهودية مفهوماً متغيراً حسب الدولة التي يوجد اليهودي فيها. ففي ألمانيا حيث لا توجد دولة سياسية، أي لا توجد الدولة كدولة، فإن المسألة اليهودية هي مسألة لاهوتية محضة. يجد اليهودي نفسه في تناقض ديني مع الدولة التي تقر بأن المسيحية تشكل أساسها. هذه الدولة هي دولة لاهوتية محترفة. والنقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي واللاهوت اليهودي. ولكننا ما زلنا بهذا نتحرك في اللاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقدياً. ص. 15.

بداية ينبهنا ماركس من أخذ (اليهودية)، أي تلك الكتلة البشرية المتخذة من الدين اليهودي هوية لها لأن سياسة الدولة دفعتها بهذا الاتجاه، وكأنها كتلة بشرية واحدة أينما تواجدت، في أوربا. بل هي كتل بشرية يختلف واقعها من بلد أوربي إلى آخر.

فالدولة الأوربية التي توجد بها هذه الكتلة اليهودية، في ألمانيا مثلاً، وهي المثل الذي طرحه ماركس، موجودة في بلد (لا توجد فيه دولة سياسية). وإن كان هناك مسمى (دولة ألمانية)، لكنها في عمقها ليست بدولة سياسية أي (لا توجد الدولة كدولة). بل هناك هيكل خارجي اسمه دولة. للتوضيح هنا تخلق الطبقة البرجوازية وهماً تصنعه لتزييف الوعي، ويعتقد المعتقدون بهذا الوهم أن الوهم هو الحقيقة والحقيقة وهماً.

مثال على هذا الواقع: يمكن لأي مصنع سيارات أن يصنع نموذجاً متكاملاً لأي سيارة يصنعها ويعرضها علناً. كل من ينظر إليها يتوهم أنها سيارة تسير على الطرقات لا نموذجاً لهذه السيارة الحقيقية التي تسير على الطرقات. ويكثر الحديث عنها بين الناس ويصورها المفكرون وكأنها تلك هي السيارة الحقيقية وكذلك تفعل وسائل الاعلام، بكل تفرعاتها وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي. كما تعمل كل الوسائل التي تملكها هذه (الشركة)، وهي هنا يمكن أن تكون الدولة السياسية، لتعميم هذا النموذج وكأنه حقيقة.

لا يمكن كشف زيف حقيقة هذا النموذج وفضح أنه نموذج سيارة لا سيارة حقيقية، إلا عند فتح غطاء المحرك وتبيان أن لا محرك بها، على سبيل المثال. لكن للقيام بهذا الفعل، على المفكر الباحث عن حقيقة هذا النموذج أن يكون مسلحاً بأدوات فكرية تمكنه من كسر الوهم السائد! وفي الوقت عينه عليه أن يكون مسلحاً بقوى تمكنه من مواجهة كل موجات الهجوم التي تشن ضده من قبل صانع النموذج. وهذا ما يحدث عند الحديث عن فلسطين!

لذا عند مقاربة الكتلة البشرية اليهودية في ألمانيا على أنها يهودية مقابل دولة لا سياسية، أي دينية، مسيحية أو لا، نعود إلى دائرة نقد مغلقة نحوم فيها وبها إلى حد نشبه فيه ذاك المفكر المتوهم أن للدائرة نقطة بداية ونقطة نهاية مثلها مثل الخط المستقيم! فندخل بهذه المقاربة مقاربة لاهوتية المنهج! لكن الأمر المفصلي في هذه المسألة، والتي يؤكد عليها ماركس، وهي تنطبق على مثال نموذج السيارة، وهي أن هذه الدولة، بمفهومها البرجوازي ليست بذاك الغباء كي تكشف أن تلعب لعبة لاهوتية المنهج. فهي (دولة لاهوتية محترفة).

للخروج من هذا الوهم، على المقاوم لهذا النمط أن يكون مسلحاً فكرياً وتنظيمياً للمواجهة، فالدولة تحترف تشويه الوعي والقمع الوحشي وإظهاره وكأنه (حق) من حقوقها للدفاع عن وجودها الذي يهدده (الإرهابيون). أليس هذا ما يحدث في فلسطين من قبل المحتل؟!

لذا (النقد هنا هو نقد اللاهوت، نقد ذو حدين، نقد للاهوت المسيحي واللاهوت اليهودي). فندخل، والأصح تُدخلنا (الدولة المحترفة) ضمن دائرة هذا النقد لنفقد توجهاتنا المقاومة فنتوه في الوهم الذي خلقته (الدولة المحترفة) ونقد في نقد لاهوت للاهوت، فنتحول من نقد تغييري لهذا الهيكل، (الدولة المحترفة)، إلى نقد تكريسي له من خلال وضع أنفسنا في دائرة نقد لاهوت لنقد لاهوت، أي لاهوت ينتقد لاهوت! فنصبح (نتحرك في لاهوت مهما أردنا أن نتحرك فيه نقدياً). مجدداً نعود إلى فلسطين.

هل من قرأ خطة الاستعمار الحديث لها، والمسماة (خطة سلام)؟ فالخطة التي أعلنها المستعمر الأمريكي، بشخص ترامب، تتضمن بنداً حول إقامة نوع من لقاءات حوارية بين اليهودية، كدين، والإسلام، كدين! وكأن استعمار فلسطين من قبل الصهيوني ليس باستعمار، وكل ما يجري فيها ليس فعلاً تحررياً من الاستعمار، بل هو صراع بين (اليهودية) و(الإسلام)! أليس هذا الوهم الذي أوجده منظرو نمط الإنتاج الرأسمالي، بصيغته الراهنة، وعلى رأسهم هانتغتون وفوكوياما؟ أليس وهماً اجتمع عليه معظم رؤساء العالم في القاهرة ووقعوا خطة المستعمر الأمريكي حول السلام في فلسطين؟!

يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني الباب مفتوح لمن يود الاستكمال

العدد 1186 - 11/02/2026