ترامب وأمريكا وجه القرصنة الجيوسياسية في العصر الحديث
علي شوكت:
على مدار التاريخ، ارتبط مفهوم القرصنة بالسفن الشراعية والجماعات التي تعمل خارج القانون، فقد كانت الدول تشن حملات عسكرية للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية. لكن القرن الحادي والعشرين شهد تحولاً جوهرياً في هذا المفهوم، إذ ظهرت أشكال جديدة من (القرصنة المنظمة) ترتدي بدلات دبلوماسية وتتخفى وراء أعلام الدول. وقد مثلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نموذجاً صارخاً لهذه (القرصنة الجيوسياسية) الحديثة، فقد حوّلت أدوات الدولة العظمى إلى أسلحة للهيمنة ونهب الثروات، تحت شعار (أمريكا أولاً) الذي غطى ممارسات تُذكّرنا بأسوأ عمليات القرصنة التاريخية.
تجلت هذه القرصنة المعاصرة عبر آليات متطورة، بدءاً من القرصنة الاقتصادية عبر العقوبات الأحادية، إذ فرضَت عقوبات شاملة على دول بأكملها لخنق اقتصاداتها والاستيلاء على مواردها، باستخدام الدولار سلاحاً، وبنظام المال العالمي ساحةً للهيمنة. وامتدت إلى اختطاف القرارات الدولية، بالانسحاب الانتقائي من الاتفاقيات العالمية وابتزاز الحلفاء، وتحويل المؤسسات متعددة الأطراف إلى أدوات للضغط. ولم تخلُ من السيطرة على المضائق الجيوسياسية وممرات الطاقة عبر التهديد العلني بقطع طرق التجارة واستخدام الأساطيل أدوات ترهيب.
ولعل النموذج الأكثر وضوحاً لهذه القرصنة المنظمة كان العدوان الأمريكي الممنهج على فنزويلا. فقد قامت إدارة ترامب بعملية إجرامية إرهابية باختطاف الرئيس الفنزويلي الشرعي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، التي هي ليست السيدة الاولى فحسب بل شخصية محورية في السياسة الفنزويلية منذ عهد هوغو تشافيز.
العملية جرى التخطيط لها وتدريب مرتزقة عليها في دول مجاورة. لم تكن هذه العملية مجرد تدخل سافر في الشؤون الداخلية، بل هي قرصنة سياسية صريحة تهدف إلى الاستيلاء على دولة ذات سيادة، وخرقاً صارخاً للقانون الدولي، وإحياءً للنموذج الاستعماري بثياب حديثة.
وقد صرح الرئيس ترامب وعدد من المسؤولين في إدارته بشكل علني غير مسبوق عن أطماعهم الحقيقية في ثروات فنزويلا، معترفين بأن الدافع هو السطو الاقتصادي المنظم. ففي قطاع النفط، سعوا إلى خنق صناعة النفط الوطنية من خلال حظر شامل، وهددوا بالاستيلاء على شركة النفط (PDVSA) العملاقة، وصادروا ناقلات النفط والأصول الخارجية. وفي قطاع التعدين، سعوا للسيطرة على مناجم الذهب الهائلة في حزام نهر أورينوكو، وصادروا الذهب الفنزويلي المودع في الخزائن الأجنبية، واستهدفوا احتياطيات الماس والمعادن النادرة.
اتبع هذا العدوان آلية قرصنة شاملة، شملت حصاراً بحرياً ومالياً يشبه حصار القراصنة التاريخي للموانئ، وقرصنة مالية مباشرة من خلال تجميد ومصادرة عشرات المليارات من الدولارات من الأصول، وقرصنة للشركات عبر تهديد أي كيان عالمي يتعامل مع فنزويلا، بل وقرصنة للمساعدات الإنسانية والإعلام لتحقيق أهداف سياسية. ومثل القراصنة القدماء الذين رفعوا أعلاماً مزيفة، رفعت هذه الإدارة شعار (استعادة الديمقراطية) بينما كانت في الواقع تنهب ثروات شعب بأكمله، وتفرض حكماً ذاتياً عبر شخصيات غير شرعية، (خوان غويدو، مثالاً). وتستخدم العقوبات كسلاح حرب غير تقليدي تسبب، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، في وفاة الآلاف وخسائر اقتصادية مهولة ومعاناة إنسانية مروعة.
لم تكن فنزويلا سوى حالة دراماتيكية واحدة ضمن استراتيجية أوسع للقرصنة الجيوسياسية. فمن الاستيلاء على آبار النفط السورية تحت ذرائع واهية، إلى شن حرب تجارية ضد الصين تتضمن ادعاءات بسرقة الملكية الفكرية، وصولاً إلى ابتزاز الحلفاء التقليديين في أوربا عبر التهديد بخرق الاتفاقيات الدفاعية، أصبحت الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب تتحول من مفهوم (شرطي العالم) إلى (قرصان العالم). لقد مثل هذا التحول تآكلاً خطيراً للنظام الدولي القائم على القواعد، المتمثّل في ميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاستعاضة عنوى حالة دراماتيكية واحدة ضمن إ الدبلوماسية بسياسة القوة المجردة، وتحويل المؤسسات الدولية إلى غطاء للهيمنة بدلاً من أدوات للعدالة.
إن إرث هذه الفترة يترك سؤالاً مصيرياً: هل هذا نموذج عابر أم أنه كشف عن تحول هيكلي في سلوك القوى العظمى؟
ما هو مؤكد أن هذه الممارسات تذكّرنا بأن جوهر القرصنة بقي كما هو عبر العصور: الاستيلاء على ما لا يملكه المرء بالقوة والخداع، وإنما اليوم بأدوات أكثر تعقيداً وتأثيراً، مما يهدّد أسس التعاون الدولي ويُعيد تعريف معنى السيادة في عالم يبدو فيه أن القوة تعلو فوق القانون، وأن مصالح القلة قد تسلب حقوق الشعوب وثرواتها علناً تحت أنظار العالم.